في شهر نوفمبر تحل ذكرى أحداث فاصلة في تاريخ الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. فمنذ قرن صدر وعد بلفور من قبل الحكومة البريطانية لإعطاء اليهود وطنا قوميا.
وستحل كذلك الذكرى السبعون لقرار التقسيم، والذي بموجبه قسمت فلسطين إلى دولة عربية وأخرى يهودية. كما ستحل علينا الذكرى الخمسون لاحتلال ما تبقى من فلسطين التاريخية بما فيها القدس الشريف. ومن نافل القول، إن تحقيق الصهيونية لأهدافها القومية عنى بالضرورة فقدان الشعب الفلسطيني لأرضه ووطنه ومعيشته وتحوله إلى لاجئ أو تحت الاحتلال.
وأزعم أن أية نظرة واقعية وموضوعية وتاريخية لن تحيد عن هذا الرأي كثيراً. ما بعد ذلك يختلف المؤرخون وعلماء السياسة والخبراء حول ما حصل وعن المسؤوليات لجميع أطراف النزاع.
والنقطة الثانية التي لا يتناطح عليها عنزان هي فشل كل الحلول السلمية لإنهاء الصراع والتي دامت عقودا من الزمن، وسقط كثير من الضحايا ودماء كثيرة سفكت. فعمليات السلام أتت وذهبت منذ مبادرة روجرز (نسبة لوزير خارجية الرئيس ريتشارد نيكسون) في 1969. وتلاها كامب ديفيد وصولا إلى أوسلو والذي أسس لإدارة فلسطينية في مناطق محدودة من الضفة وقطاع غزة.
وأصبحت المسيرة السلمية غايتها العملية ليس إيجاد حل للصراع. وأحسب أيضا أن قليلا من المراقبين للصراع سيختلف على هذا التوصيف؛ ولكن ما هي أسباب الفشل الذي سيختلف عليه كثيرون؟.
وعلى ما يبدو لأي مراقب محايد، فان طرفي النزاع لم يستطيعا إلغاء وجود الآخر، رغم التفاوت الهائل في المقدرات عند الطرفين. فالفلسطينيون مقيمون في ارضهم ما أقام عسيب، ولاجئوهم متشبثون بالرجوع إلى موطنهم، والإسرائيليون أكثر تمسكا الآن بأرض الميعاد منذ بزوغ الصهيونية في أوروبا. وعلى ما يبدو فان الإجماع الدولي لحل دولتين قد تحطم تحت وطأة الاستيطان طوال نصف قرن من الزمن.
وقد تنبه المفكر الفلسطيني الراحل ادوارد سعيد إلى ما آلت اليه قضية الصراع على فلسطين. ففي العام 1999 تنبأ سعيد بسقوط أوسلو وأن حل الدولتين أكل عليه الدهر وشرب وأن الوقائع التي خلقها الاحتلال عبر عقود من الزمن ستحول دون خلق دولة فلسطينية متكاملة ومتواصلة.
وفي مقالته «حل الدولة الواحدة»، مستدعيا رؤية مفكرين وفلاسفة يهود، مثل حنة آرنت، ومارتن بوبر ويهوذا ماجنز، والذين دعوا إلى دولة ثنائية القومية قبل قيام دولة إسرائيل. ويقول سعيد إن الرواية الفلسطينية والرواية الإسرائيلية متناقضتان وغير قابلتين للتوافق. ويرى أن الرواية الإسرائيلية بيهودية فلسطين يناقضها الواقع الفلسطيني في الأراضي المحتلة والداخل الإسرائيلي.
كما تتصادم مع تاريخ المنطقة. كما إن أمنيات الفلسطينيين برجوع فلسطين المحتلة إلى دول عربية ومسلمة خالصة أصبح من أحلام اليقظة وتجاوزها الزمن بسبب التحولات الكبيرة في فلسطين وفي الإجماع العالمي. ولا يبدو أن هناك حلاً إلا حل التعايش بين القوميتين كما حصل في جنوب أفريقيا عقب انتهاء نظام الأبارتايد أو الفصل العنصري.
ولا تقتصر هذه الرؤية على المفكر الفلسطيني سعيد فحسب، حيث يرى المؤرخ البريطاني الراحل توني جدت والذي ترعرع في أسرة يهودية علمانية ونشأ نشأة صهيونية، في مقالة له كتبها في 2003، أن البديل الوحيد والمعقول للصراع هو دولة واحدة تضم كلا الشعبين، يتعايشان في جو من السلام والألفة والمساواة والديمقراطية.
أما هذا الخيار والحفاظ على ما تبقى من ديمقراطية في إسرائيل أو دولة فصل عنصري. وبالنسبة لهذا الكاتب فان عصر العولمة قد تجاوز مفهوم دولة يهودية خالصة. فدول أوروبا وأميركا أصبحت دولاً مختلطة الأجناس والأعراق والملل والنحل.
بيتر بينآرت، رغم انه يصنف نفسه كيهودي أرثوذوكسي وشديد التعلق بإسرائيل، إلا انه يرى أن الصهيونية مأزومة اليوم. ففي مقال له في 2010، يقول بينآرت إن الهوة بين الشباب اليهودي في الولايات المتحدة والقيادات اليهودية زادت اتساعا بسبب أن الأول يمقت السلوك الإسرائيلي المخالف لقيمه الليبرالية وأن القيادات اليهودية تدافع عن إسرائيل مهما فعلت.
ورغم أن بينآرت يدافع عن حل الدولتين إلا انه يرى أن الجيل الصاعد من أبناء الجالية اليهودية إما أنهم ناقدون لإسرائيل أو أنهم فقدوا أي اهتمام بالدولة اليهودية.
وعلى المنوال نفسه، ارتد أيان لستك، الأستاذ في جامعة بنسلفانيا، عن الصهيونية التقليدية ليروج لمفهوم الدولة الواحدة كمخرج للصراع. ولستك يجادل أن حل الدولتين لم يصبح مستحيلا فحسب، بل العائق أمام البحث عن حلول أخرى مثل حل الدولة الواحدة.
فالكاتب يرى أن التشبث بحل الدولتين وهم لا طائل منه، وخرافة تعيق التقدم لحل المعضلة الإسرائيلية-الفلسطينية. من الجدير بالذكر أن لستك لا يؤمن بان الحل او الطريق إلى الدولة الواحدة مفروش بالورد والرياحين، بالعكس فهو يرى أن السبيل إلى دولة ديمقراطية ثنائية القومية محفوف بالمخاطر ومعبد بالدموع والدم!
ولكن الأغرب في هذه المجموعة والتي راجعت موقفها حول الصهيونية وإسرائيل هو توماس فريدمان، كاتب العمود في النيويورك تايمز، والذي أعلنها صراحة أن العملية السلمية ميتة وأن الحل يكمن في الدولة الواحدة.