تركز الكاميرا على ساعة منبه بداخلها صورة لـ «ميكي ماوس»، قبل أن تنتقل مستعرضة ببطء يدَ رجل ممسك بسيجارة ذات رماد طويل، ومن ثم تنتقل إلى الوجه البائس للممثل بوب جيلدف، الذي يجسد شخصية نجم الروك «بينك»، هذه هي افتتاحية الفيلم العالمي «الجدار» (Pink Floyd: The Wall 1982)، والذي يصور لنا حجم العوائق التي يبنيها المجتمع ومؤسساته ومكوناته في جعل الإنسان معزولاً ومنفياً داخل جدار.

قام الإنسان، وعلى مر التاريخ، بتحصين نفسه، فعمل على بناء جدران تحميه من الأخطار الخارجية، وأعظم مثال على ذلك، هو «سور الصين العظيم»، الممتد إلى 2400 كم، وعلى الرغم من أن هذا الأسلوب كان مستخدماً قبل آلاف السنين، إلا أن هناك نماذج حديثة، أشهرها «جدار برلين 1961»، حيث كان الغرض منه تحجيم المرور بين «برلين الغربية» و«ألمانيا الشرقية».

وما زالت الطريقة نفسها متبعة أيضاً في القرن الواحد والعشرون، حيث قام الكيان الصهيوني ببناء «الجدار العازل 2002»، لمنع دخول سكان الضفة الغربية الفلسطينيين إلى الأراضي المحتلة أو المستوطنات الصهيونية.

حكاية الجدران لم تنتهِ، ولن تنتهي إلا إذا انتهت العقلية البشرية المبنية على التقسيمات، وبما أنها لم تتغير، فما زلنا نشهد إلى الآن مشروعات لبناء جدران جديدة، ومؤخراً عرضت الإدارة الأميركية مقترحاً لبناء جدار فاصل بين الحدود الأميركية والمكسيكية، والتي تعتزم على تجهيزه بالكامل بحلول عام 2017، وهذا ما نادى به الرئيس «ترامب» خلال حملته الانتخابية.

على الرغم من أننا في عصر الانفتاح والتواصل والتطور، وعلى الرغم أيضاً من وجود وسائل التواصل الحديثة، والتي سهَّلت من تواصل بني البشر، وجعلت من الأرض قرية صغيرة، يتجاذب سكانها أطراف الحديث وكأنهم في جلسة واحدة، إلا أن الحواجز والجدران ما زالت تُبنى على أرض الواقع.

وعلى أسس جغرافية وأخرى عرقية ودينية، فمنها ما هو أصولي وتاريخي، ومنها ما هو أغبى من ذلك، على حساب اللون والشكل.

140 مليار صداقة تم إبرامها عبر مواقع التواصل الاجتماعي في العالم، بحسب آخر إحصائية، وهذا إن دل فسيدل على حاجة الناس إلى التشارك والتعارف، وهو ما جُبل عليه بنو البشر، فقد قال عزّ من قائل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} [سورة الحجرات – الآية 13]، لكن ما الذي فعله الإنسان تفسيراً لهذه الآية؟!

فقد أخذ يقسمها حسب مزاجه، وما يُمليه عليه هواه، فقام بتقسيم الناس إلى فئات اجتماعية (البرجوازية، المتوسطة، الفقيرة)، وجعل من (الذكر والأنثى) قضية خلاف كونية، وصارت الشعوب (230 شعباً) حتى الآن، والقبائل بالملايين، وتناسى الهدف الأسمى من هذا التعدد، ألا وهو (التعارف).

لم يكن صنَّاع فيلم «الجدار» من المريخ، ولم يتحدثوا بشيء بعيد عن الواقع، فمعاناة بطل الفيلم «بينك»، لم تكن إلا نتيجة مفاهيم مغلوطة نزرعها في نفوسنا منذ الصغر، لتكبر بداخلنا، وتجعلنا معزولين عن المجتمع، أو ناقمين عليه، وإن توسع نطاق التأثير ليطال فئة محدودة، أو شعباً معيناً بكامله، فلن يكون خلاصهم إلا إذا بنوا جداراً عالياً يعزلون من خلاله أنفسهم عن الآخرين، أو أن يُحدثوا جداراً شفافاً مفاده بأننا «شعب الله المختار».

يولد الإنسان حراً وغير مقيَّد بأي صفة أو قبيلة أو حتى جنسية، ومن ثم، يبدأ باكتساب هذه المقوِّمات التي تمكِّنه من العيش على هذه الأرض، وبسببها يبدأ ببناء الجدار الفاصل بينه وبين الآخرين، والطابوقة الأولى تبدأ عندما يحاول الأبوان توجيه السؤال اللعين إلى أحد أبنائهم: «منو تحب أكثر أبوك ولا أمك؟»، ومن هنا تبدأ مسيرة التحزب والانحياز لطرفٍ على حساب الآخر، ومن هذا السؤال الصغير، تنطلق رحلة بناء الجدار الكبير!!

وعندما يذهب الطفل إلى المدرسة ويخالط أفراد المجتمع، يبدأ بالتحزب لقبيلة أو مدينة، وما إن يكبر حتى يدق طبول القتال والاقتتال من أجل مسميات لم يشارك باختيارها، فتتشكل لديه العقد النفسية التي تنبذ وتحتقر الآخر، وتجعله متفاخراً ومتعالياً على حساب فئات وُضع فيها، ولم تكن منجزاته بنفسه كـ (جنسيته، وسلالته، ودينه)، وإن حاول الخروج من هذه المسميات، فستنصبُّ عليه سيول الشتائم، لكونه قد «خرج من الملة».

لا أستبعد إن استيقظت ذات يوم ووجدت جدراناً ضخمة تُبنى بين دولنا العربية، فكلما قطعنا الروابط بيننا، صرنا أقرب إلى بناء هذه الجدران، وبما أننا نسوِّر بيوتنا، ونجعل منها قلاعاً لحمايتنا من جيراننا، فلن أستبعد أي شيء بعد ذلك، وبما أن عقولنا تُخيِّل لنا أننا ننتمي إلى الأفضل، وبأن الله اصطفانا من بين البشر لتاريخنا وديننا وعرقنا، فسنستمر ببناء الجدران.

أكثر من 300,000 شخص شارك في بناء سور الصين العظيم، لكن نحن لن نحتاج سوى إلى ثلاثة أشخاص ليبنوا في نفوسنا جداراً نفسياً يفوقه علواً:

رجل دين يجهل المعاني السامية للدِّين، ومعلم لا يتقنُ الحديث إلا بفكره، ومربٍ يقيِّدنا بما صنع أجدادنا.

ولكم الخيار في أن تكون كلماتي محفزاً ودعوة لمشاهدة فيلم «الجدار»، لتبحثوا عن الجدران التي تصنعها الأيام فتزيلوها، أم تختارون درباً آخر تتفقون فيه مع مقاول جديد وخبير يخبركم عن نوعية «الطوبة الجديدة» الأنسب لحمايتكم وتقسيمكم من جديد.