أوشك عام 2106 على الرحيل، بدون أن تلوح في الأفق بوادر ملموسة لإمكانية انعقاد المؤتمر الدولي لتسوية القضية الفلسطينية، الذي نادت به الدبلوماسية الفرنسية. إذا أحسنا الظن، فسوف نميل إلى أن معطيات كثيرة تعامدت وتضافرت على بعضها البعض، حتى جعلت من المؤتمر الموعود مجرد مقترح هائم، وأجبرت باريس على إخفاء حماستها له.
من ذلك، انشغال العرب بإطفاء الحرائق المشتعلة في بيوتهم الداخلية. والصدع الكبير في الحركة الوطنية الفلسطينية، الذي فشل الفلسطينيون والعواصم العربية مجتمعة ومنفردة في رأبه ومداواته. وانخراط الأوروبيين في استدراك تداعيات التمرد البريطاني على تجربتهم الاتحادية، واستعادة الثقة فيها. وانغماس الأميركيين في حملة انتخابات غير تقليدية، أفضت إلى نتيجة صادمة.
هذه أسباب وجيهة للاعتقاد بأن البيئات المحيطة بالمسألة الفلسطينية، أحبطت التوجه الفرنسي، تماماً كم فعلت مع دعوة مشابهة، تبنتها موسكو في وقت ليس بالبعيد.
لكن المحدد الأكثر وجاهة وراء هذا الإخفاق، هو الموقف الإسرائيلي الصلب، الرافض لتدويل قضية التسوية، والمستمسك بمفهوم المفاوضات المباشرة مع كل طرف عربي على حدة، وبصفة خاصة مع الفلسطينيين.
هذا الموقف مثل منذ عام 1967، أحد الثوابت الاستراتيجية الإسرائيلية في التعامل مع ما عرف بمشكلة الشرق الأوسط.
وذلك بالطبع ضمن قائمة الثوابت التي لم تحد عنها تل أبيب، رغم انقلاب الدنيا من حولها، كعدم التخلي عن السيادة على القدس، والاجتهاد في تهويدها، والسيطرة علي منطقة الغور، والتوسع الاستيطاني في الضفة الفلسطينية، والعداء المرير لحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة، وإنكار المسؤولية التاريخية عن مأساتهم.
ومن أجل قطع الرجاء في احتمال التخلي عن هذه الثوابت، والإجهاز علي التصور الفرنسي للتسوية، وفكرة المؤتمر الدولي بعامة، أعلن بنيامين نتنياهو في منتصف نوفمبر الجاري، أن «أي محاولة خارجية لفرض حل في الشرق الأوسط من الخارج، ستبوء بالفشل.. فالسلام يتحقق فقط بالمفاوضات المباشرة بين إسرائيل والفلسطينيين، دون شروط مسبقة».
لو كان رئيس الوزراء الإسرائيلي قارئاً حكيماً لخبرات التفاوض حول المعضلات الدولية، وسياسياً منصفاً لسيرة الحرب والسلام في فلسطين، لالتزم بعكس هذا الموقف على طول الخط، وهو أن التسوية الفلسطينية لن ترى النور على الإطلاق، ما لم يجرِ فرضها من الخارج.. ولاعترف أن المفاوضات المباشرة التي يدافع عنها، ليست سوى وصفة أفعوانية لديمومة الصراع، وتأبيد الاحتلال الإسرائيلي، واستمرار نزيف الدم في فلسطين التاريخية.
نعلم من الرواية الحقيقية للغزوة الصهيونية، أن الصهاينة كانوا أحرص الناس على تدويل مشروعهم البغيض. فقد أوصى مؤتمرهم الأول في بازل عام 1897، بالحصول على تأييد الدول العظمى، واتبعوا ذلك بالسعي لدى كل العواصم الفاعلة، بما فيها الآستانة والباب العالي العثماني، لأجل رعاية مشروعهم الاستيطاني في فلسطين.
وما كان تصريح بلفور عام 1917، والانتداب البريطاني علي فلسطين عام 1922، ومشاريع تقسيم فلسطين الأول عام 1937، والثاني عام 1947، والإعلان الثلاثي البريطاني الفرنسي الأميركي عن ضمان وجود إسرائيل وأمنها عام 1950، إلا منتجات دولية، مكنت جميعها لاستزراع الدولة الصهيونية والتمكين لها.
المفارقة هنا، أنه ما إن تم للصهاينة ما أرادوا، حتى تمردوا على مفهوم التدويل، وبات الاستفراد بكل كيان عربي على حدة، لا سيما الطرف الفلسطيني، تحت شعار المفاوضات المباشرة، أحد أبرز ثوابتهم السياسية الاستراتيجية.
المدهش أن هذا الشعار قد آتي بعض أكله مع بعض العرب، وأن الفلسطينيين أنفسهم لم يثابوا عليه، ولهم معه تجربة ممتدة، عمرها الآن ربع قرن بالكامل. وهم لم يحاولوا الإفلات من أحابيله، إلا بعد أن تبين لهم أنه أهدر كثيراً من حقوقهم، واستشعروا أنهم لن يعودوا من ورائه حتى بخفي حنين.
لقد أيقن الفلسطينيون أن الاستماتة الإسرائيلية في التعلق بمفهوم التفاوض المباشر معهم، لا يستهدف سوى تنحية الشرائع والقوانين والقرارات الدولية العاطفة على حقوقهم، وعزل الوسطاء العدول، والاحتكام إلى موازين القوة فقط لا غير..
ومحصلة ذلك كله، اعتصارهم وإهدار القليل الذي تبقى لهم من حقوقهم بالمعنيين التاريخي والقانوني. ولهذا بعينه لا تريد إسرائيل مؤتمراً دولياً فاعلاً للتسوية، لا في باريس ولا في موسكو ولا في رحاب الأمم المتحدة، ولا في بلاد الواق واق.