لا يختلف اثنان تابعا المشهد السياسي الأميركي أبان الحملة الانتخابية الرئاسية في الحكم بأنه كان مشهداً غير عادي على مختلف الصعد، فطبيعة التحشيد الترويجي على أعلى المستويات لصالح المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون لم يكن مسبوقاً .
كما أن مستوى الاحتقانات التي لم يخل التنفيس عنها من اللجوء إلى الشتائم هي الأخرى لم تكن مسبوقة. استطلاعات الرأي أجمعت على تفوق كلينتون خاصة بعد أن أثبتت تفوقها وجدارتها السياسية في المناظرات الثلاث التي جرت بينهما، إلا أن ترامب هو من حقق فوزاً ساحقاً في النهاية.
المشهد كله غير عادي فقد اعتاد الناخب الأميركي عبر تاريخه أن يقدم للمكتب البيضاوي في البيت الأبيض أحد حكام الولايات أو سيناتور من مجلس الشيوخ أو نائب سابق لرئيس الجمهورية أو أحد العسكريين الكبار، فهو لم ينتخب سابقاً رئيساً من قطاع الأعمال والعقارات.
هناك تغييرات في المزاج السياسي الأميركي لم تستطع وسائل الإعلام رصدها قد دفعت باليمين السياسي بشخوصه وبرامجه ليحظى بترحيب واسع على الرغم من انعدام الأداء السياسي لهذا اليمين ممثلاً بشخص الرئيس المنتخب ترامب. والحقيقة أن هذا ليس بالأمر الطارئ وإنما تعبير عن ظاهرة تراكمت مقومات انبثاقها بصمت في المجتمعات الغربية على مدى سنين طويلة، ترامب هو من كسر جدار الصمت المحيط بها.
الانتخابات الرئاسية الأميركية حدث بالغ الأهمية على المستوى العالمي إلا أن فوز ترامب قد ضاعف من ذلك لاطروحاته الغريبة ونواياه في إجراء تغييرات جذرية جوهرية تربك النظام الأمني العالمي وتفسح المجال لتقوية النزعات التسلحية القطرية .
وما يترتب على ذلك من مخاطر على السلم في العالم. إذ لم تقتصر المخاوف التي أثارها ترامب منذ اليوم الأول لحملته الانتخابية على شرائح من المجتمع الأميركي بطروحاته العنصرية ونزعته الإقصائية بل شملت مخاوف حلفاء الولايات المتحدة الغربيون وغيرهم حول أمنهم في أوروبا وشرق آسيا والشرق الأوسط. فقد أكد أن سياسته الخارجية سترسم وفق مبدأ «الولايات المتحدة أولاً»، مبدياً في أكثر من مناسبة شكوكه بجدوى بقاء حلف الناتو على حاله لأنه أصبح يشكل عبئاً مالياً على الولايات المتحدة.
والحقيقة أن تطرقه لحلف الناتو يأتي في إطار استراتيجية أوسع تتعلق بعزمه على إعادة النظر بسياسة توفير الأمن والحماية التي تنتهجها الولايات المتحدة لحلفائها دون مقابل خاصة أن بعض هذه الدول في شرق آسيا قد أصبحت منافساً اقتصادياً لبلاده. فمراجعة الموقف من الناتو هو مراجعة للموقف من أوروبا فهذا الحلف لم ينشأ عام 1949 سوى لحماية أوروبا الغربية التي دأبت الولايات المتحدة على اعتبارها جزءاً من أمنها.
وقد بدأت تباشير ذلك في أحد التصريحات التي تعمد ترامب فيها تقزيم القارة الأوروبية حين قال «إن بلجيكا قرية صغيرة في أوروبا» متجاهلاً حقيقة أن العاصمة البلجيكية بروكسل هي مقر قيادة الناتو وهي عاصمة الاتحاد الأوروبي مما حدا برئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر للقول إن مجيء ترامب للرئاسة الأميركية يشكل خطراً على العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وواشنطن.
بلغت حصة الولايات المتحدة 70% من ميزانية الناتو عام 2015 وفي حالة تقليص هذا الإسهام ستجد دول أوروبا أنها أمام مسؤولية تتعلق بأمنها القومي وتتجه نحو تقوية قدراتها الرادعة وحيازة أسلحة نووية، وهذا ينطبق على الحال في شرق آسيا.
حيث صرح ترامب في مقابلة نشرتها صحيفة نيويورك تايمز في الثامن من مارس المنصرم «أنه سيبحث السماح لليابان وكوريا الجنوبية ببناء أسلحتهما النووية الخاصة بهما بدلاً من الاعتماد على الولايات المتحدة في توفير الحماية لهما ضد كوريا الشمالية والصين». وبذلك تلغى قرارات الحلفاء الذين انتصروا في الحرب العالمية الثانية بفرض حظر التسلح النووي على ألمانيا واليابان.
لا يمكن تجاهل حقيقة أن الولايات المتحدة قد دخلت مرحلة تغيير في سياساتها الداخلية والخارجية لا أحد قادر في الوقت الحاضر على التنبؤ بمساراتها ومآلاتها على النظام العالمي، الأمني بشكل خاص، فقواعد اللعبة قد تغيرت مما سيشغل المراكز المتخصصة في البحث والتطوير والدراسات المستقبلية.
إلا أن دول الاتحاد الأوروبي قد استبقت الأحداث فعقد وزراء خارجيتها ودفاعها اجتماعاً مشتركاً في بروكسل في الرابع عشر من نوفمبر الجاري لدراسة تداعيات ذلك على أمن القارة وسبل مواجهة ذلك.
فمع أن الوعود والاطروحات التي تطلق في الحملات الانتخابية الرئاسية ليست بالضرورة أجندات قابلة للتطبيق أو ملزمة على أرض الواقع خاصة إن كانت من الطراز التي أطلقها الرئيس المنتخب ترامب، لكن منصب الرئاسة الأميركية يتيح صلاحيات واسعة لمن يشغله منها شن حرب نووية خلال بضع دقائق حسب سيناريو حقيبة الأزرار النووية التي كررت المرشحة الديمقراطية تحذيرها الناخب الأميركي من ائتمان ترامب عليها، إلا أن من المستبعد أن يتصرف ترامب بمعزل تماماً عن رؤى المؤسسة الحاكمة ونخبها وعن توصيات مستشاريه.
الرئيس الأميركي الجديد سيجد نفسه في مواجهة استحقاقات السياسات الفاشلة التي انتهجتها إدارة الرئيس أوباما في مناطق عدة من العالم خاصة منطقة الشرق الأوسط والتي اعترف الرئيس نفسه ببعضها أخيراً، ولن تكون دوافعه لذلك غير ما يتفق مع مصالح بلاده وهي بالتأكيد غير منفصلة عن مصالح الدول المستقرة والغنية في المنطقة التي لن يجد مفراً من التعاون معها.