خاض مثقفو العرب في القرن الماضي نقاشات طويلة، ومتعددة المنطلقات حول مسألة الأصالة والمعاصرة، فمنهم من رأى ضرورة الاندراج بالعصر، وإقامة قطيعة مع الماضي، ومنهم من ذهب إلى ضرورة الحفاظ على القيم العربية الأصيلة، وتراث العرب المعبر عن هويتهم، ومنهم من أراد قيام توازن بين الأمرين.

وسارت الحياة كما تشتهي دون أن تأخذ بهذا الرأي أو ذاك، ولكن العرب ما زالت تطرح على نفسها سؤال المعاصرة، انطلاقاً من سؤال الهوية، وبخاصة الآن بعد استفحال ظاهرة الحركات الأصولية العنفية، التي ما هي إلا عائق مؤقت أمام مسار حركة التغيير والتطور والتقدم العربي.

أعود لأطرح السؤال من جديد: ما معنى أن تكون معاصراً؟

ما معنى العصر أولاً؟ جاء في المعاجم أن العصر الزمن ينسب إلى ملك أو دولة، أو إلى تطورات طبيعية أو اجتماعية؛ عصر الدولة العباسية، وعصر هارون الرشيد، والعصر الحجري، وعصر البخار والكهرباء، وعصر الذرة.

ويقال في التاريخ: العصر القديم، والعصر المتوسط، والعصر الحديث.

العصر في الجيولوجيا: حقبة طويلة من الزمن تقدر بعشرات الملايين من السنين، تمتاز بتكون خاص لبعض طبقات الأرض، وقد تواضع الناس العاديون وعلماء التاريخ، على أن العصر مفهوم يشير إلى الزمن المعيش المتسم بسمات بارزة تدل عليه، وإيضاحاً أكثر لمفهوم العصر نقول: إن العصر دال على مرحلة من تاريخ البشر، فيما المعاصرة هي الوجود الآن.

فإذا قلت العصر الوسيط سرعان ما يذهب ذهنك إلى مرحلة التقدم العربي العلمي والفلسفي والأدبي.. إلخ، وإلى مرحلة التأخر الأوربي بالقياس إلى التقدم العربي- الإسلامي.

فيما لو أنك تحدثت عن عصر النهضة الأوروبي فإنك تبرز التقدم الأوروبي والانقلاب الهائل في العلم والوعي العلمي وقيمة الإنسان. أما إذا تحدثت عن عصرنا الراهن، فإنك تتحدث عن انتصار الرأسمالية المتعولمة، والتقدم الهائل في وسائل الاتصالات، تتحدث من الثورة النيترو- إلكترونية، وفكرة الحرية.

أما ماذا يعني أن تكون معاصراً؟ الجواب البسيط والصحيح هو أنك تنتمي للعصر الراهن. ماذا يعني أن تنتمي للعصر؟

شئنا أم أبينا هناك أمم عالمية تطبع العصر- أي عصر- بطابعها. هذا كان حال العرب في العصر الوسيط وهذا حال أوروبا وأميركا في عصرنا الراهن. يضاف إلى هذه الدول الأوروبية والأميركية الآن اليابان والصين وكندا وأستراليا وما شابه ذلك.

ومن شيمة هذه الأمم العالمية أن تكون توسعية ذات نزوع إمبراطوري، إنها وهي على هذا النحو تقوم بدورين: الأول مقصود، وهو النزوع نحو الهيمنة والسيطرة بكل الوسائل الممكنة وبخاصة الاقتصادية والعسكرية، والثاني عفوي: ألا وهو التأثير المباشر، وغير المباشر على نمط حياة البشر وتفكيرهم، أقصد البشر العائشين في البلاد الهامشية، وهذا يحقق مبدأ ابن خلدون في أن الضعيف مولع بتقليد القوي، بكلمة «معاصرة» المتأخر مولع بالسير على خطى المتقدم.

ودول الهيمنة التي تحدد سمات العصر لا تستطيع أن تتحكم بردود فعل الدول الهامشية، كما أنه في الوقت الذي تنتج فيه دول الهيمنة السلعة والسلاح تنتج في الوقت نفسه الأفكار العلوم الطبيعية والإنسانية والأدب والأيديولوجيا.

والمفارقة هي التالية: إذا أخذنا العرب اليوم بوصفهم هامشيين جداً، فإن بعض نخبهم يسعى للقيام بدور مركزي عالمي، في ظل وجودهم الهامشي، والوجود الهامشي هو الوجود الكسلان غير الفاعل حتى في الحدود الضيقة.