الأوطان ليست تسلية، ليست لعبة مونوبولي، ليست مجرد خارطة ملونة على ورقة صمّاء، الأوطان هي أرواح وأعين وأنفاس وأحلام وطموحات، وهي تاريخٌ من التضحيات، وكتائب من الشهداء، وقرون طويلة من الكفاح والتعب ومناطحة الصعاب، هي أعظم من أن يتم التفكير، مجرد التفكير، بالتلاعب بها، وجعلها محل مزايدات أو عبث صِغار عقل وقَدْر!
أقول هذا، وأنا أرى بعض المختبئين بعيداً لا يألو في توجيه الأكاذيب تجاه بلاده التي لم تبخل عليه بشيء، حتى شبّ عن الطوق وانقلب على عقبيه، وانساق خلف القطيع الباحث عن معارك دون كيخوتي الحمقاء، ويحاول جاهداً إقناع الدنيا أن نور الصباح ظُلْمَة، وأن مروج الربيع الخضراء قاحلة، ويزج بأقواله المخالفة «دوماً» في كل قضية تكون الدولة طرفاً فيها، تلك الأقوال التي يصح فيها قول الشاعر القديم:
يقولونَ: «هذا عِندنا غير جائزٍ» ومَن أنتمُ حتى يكونَ لكمْ «عِندُ»؟
ملأ الدنيا ضجيجاً في إحدى وسائل التواصل، وناشد كل من يسمعه أن ينشر تغريداته وفيديوهاته تلك، والتي شَنَّ بها حِمْلَةً كاذبة على قضائنا، وادّعى سجن مدرسة من أجل تغريدة فقط، وتباكى كعادته هو ورفاقه من حزب الفوقية والفشل والأفق الضيق على حرية التعبير، وطبّل حوله صعاليك وسائل التواصل المختبئين خلف أسماء وهمية.
وسؤالي هنا هو: أليس في بلادنا عشرات الآلاف من المدرسات؟، لماذا لم تُمَس واحدة منهن أو يتم مضايقتها، وأكثرهن لديهن حسابات تواصل ويغردن دوماً؟، ولماذا لم نُحاكم نحن ونُسجن ونحن، لا ننفك من التغريد ليل نهار؟، إنّ الأفواه لا تُكمَّم إلا إنْ كانت نَتنةً سيئة القول قبيحة الرأي، لا يخرج منها إلا الخبيث من الكلام، أمّا أفواه الخير وجَمْع الكلمة، فلها كل القلوب قبل الأبواب مُشْرَعة.
كنتُ أحد من ظنّ أنهم سيعودون لرشدهم ويتوبون من سوء مسلكهم، ولكن ذاك لم يحدث، فَمَن أُشْرِبَ في قلبه التدليس والكذب لن يتغيّر، ومن اشتد عوده بين أظهر المرجفين، لن يرى من الدنيا إلا ما يقولون له «والذي خَبُثَ لا يخرج إلا نَكِدا».
لذا، ستجدهم يؤلبون كل الدنيا على بلدانهم التي لم تبخل عليهم، فكان جزاؤها منهم كجزاء سنمّار، ويطبلون لأي أكذوبة فيها إساءة لأوطانهم وولاة أمرها، حتى لو كانت من مصدر مفضوح، يعرف العالم كله عدم مصداقيته.
لكنه يوافق هوى في قلوبهم، ويشبع لديهم ذاك الشعور المحموم للشماتة وإهانة بلادهم، والظهور أمام رفاقهم من شُذّاذ الأرض وكأنهم رجال المواقف الكبيرة والشرفاء الوحيدون الذين لم يرتضوا بالظلم والتعسف، وبقية أسطوانة «الجَرَب» التي «صدّعونا» بها ليل نهار!
ستعرفونهم في لَحْن القول، وستتبينونهم وهم ينتفضون و«يركبهم ألف عفريت»، عندما يجدونك قد وضعت صورة ولي أمرك الذي تُحبه ويحبك، كخلفية لحسابك، أو أنْ تمدحه بما يستحقه من مديح، لحسن سيرته وصدق إخلاصه لشعبه، وسيُخرجون كعادتهم من قاموسهم الضحل، جُملة «تقديس» الحكّام، وسيضربون أمثلة لا تعنينا بديكتاتورات لا يمثلوننا ولا يقربون لنا إطلاقاً، لكنهم، وبقدرة قادر، ينسون ذلك التقديس، وهم يستشهدون ليل نهار بكلام «حاخاماتهم» ومرشديهم لدروب الضياع و«الحَوَل» الفكري الطوعي!
يقول أحد كبارهم في تغريدة له: «بعد إعلان فوز ترامب: التعازي لعُبّاد أميركا المتعلقين بأذيالها، والتهاني للأحرار الذين لا يعلقون أملاً عليها»، وهذا كلام «ماكول خيره»، وإن حاول تسجيل بعض النقاط لحزبه الفاشل، فلماذا أصبح فوز ترامب مدعاة للتعازي عند من نعرف الذين يقصدهم «وهم نحن»، ولماذا يهنئ الأحرار «يعني هو وجماعته»، ثم يقول الذين لا يعلقون أملاً عليها، إذن، لماذا التهنئة «يا بو الشباب»، حقاً إلا الحماقة أعيت من يداويها!
هم يحاولون التهجّم على ولاة الأمر، لكن ألسنتهم تنفلت وتُدرج كافة الشعوب في سياق التهجّم، وهو أمرٌ نفرح به، لأنّه من الجميل أن ينتقدك الفاشل، وتهجمهم على ولاة الأمر، يُقصَد منه إسقاط الرموز الوطنية، وبالتالي، إسقاط هيبة الوطن الذين لا يعبؤون به.
ويحاولون جاهدين اختلاق ما يمكن لإيجاد شق بين الشعب وقيادته، ربما في محاولة لاجترار نظرية الفيلسوف الإيطالي، فلفريدو باريتو، القائلة إنّ «الطبقة الحاكمة والطبقة المحكومة في العموم، مثل أُمّتين أجنبيتين»، والتي قد تكون سليمة في محيطها الذي قيلت عنه، وهو القرن التاسع عشر في أوروبا.
حيث الفوارق الطبقية كانت هائلة بين نخبة فاحشة الثراء، وشعوب مطحونة مُعدَمة، ولكن من الحماقة، المراهنة على طرحها في بلاد الخليج، والتي يحمل الشعب وشائج محبة وتقدير و«حشمة» لشيوخهم وحُكامهم، الذين يتيقنون من إخلاصهم وصدقهم وحرصهم على صالحهم وصالح أوطانهم.
عندما خرجت مطالبة التظاهر في بلد عربي شقيق، قلتُ لن يخرج أحد، لأنّ الناس ملّت من «لعب العيال» هذا، والشياطين تختبئ خلف الشاشات وتؤز البسطاء للخروج.
فالناس يريدون أن يعيشوا، وأن يحموا أحلام أطفالهم، فالشعارات لم تُشبع جوعهم، والهتافات لم تُذْهِب فقرهم، والخطب الرنانة لم تؤمن مستقبلهم، أصبح الناس أذكياء لمناشدات الأبالسة هذه، وأضحوا من واقع الخبرة، يعون ما قاله نعوم تشومسكي: «الأكثرية تتعوّد على استهلاك الخيال، فأوهام الثروة تباع للفقراء، وأوهام الحريّة للمضطهدين، وأحلام النصر للمهزومين، وأحلام القوم للضعفاء»!
إنّ هؤلاء لا يحملون مشروعاً تنموياً، ولا يملكون فكراً استباقياً، هم أساتذة بث الفرقة، وخبراء شق الصفوف، ومروّجو الخوف ومسوّقو الشكوك، وعرّابو الكذب والتلفيق، الوطن هو تعب آباءك وجهدك وجهد أخيك وأختك، ومستقبل ابنك وابنتك، فلا تجعل لهؤلاء مدخلاً عليه، هو أمانتك، فكن على قَدْرها.