نحزن على العادات القديمة التي يمحوها الزمن. ونحزن أكثر حين نرى أن ما يحل محلها مستورد غريب عنا. ونُصدم عندما نجد هذا الـ «ما» مناقضاً للأخلاق ومنافياً للدين وبديلاً هزيلاً للأصول التي تربينا عليها.
وكم منا من لم يعرف لون عيون أبيه إلا عندما تجاوز الثلاثين، لأنه لم يكن يجرؤ على إطالة النظر ورفع رأسه أمامه. وكم منا من لا يزال يشعر أنه طفل في حضرة أمه، يقبل يدها مرتين متتاليتين، ويضعها على جبينه، ويشعر أن أبواب الرزق ستفتح أمامه حين تقول له «الله يرضى عليك يُمّه».
لقد نقشت في نفوسنا وأذهاننا منذ كنا صغاراً صورة الوالدين، وبخاصة الأم، بحروف من نور وحنان. لكن الانهيار السياسي الذي أصاب الأمة، أحدث شقوقاً في المنظومة الاجتماعية، وتصدعاً في النفوس، تسللت منه الأوبئة اللا أخلاقية فعبرت إلى بلادنا الشياطين، وتسللت المخدرات، واستوطنت عقول الشباب، فذهبت بها إلى هاوية الانحطاط والإجرام.
فقد هزت الوجدان الإنساني، الجريمة البشعة التي وقعت في دولة عربية. القاتل فيها هو الابن، والضحية أمه!!، وما زلزل العقل، أن المجرم ذبح أمه بعد أن طعنها عدة طعنات، فاصلاً رأسها عن جسدها، ثم فقأ عينيها. وسائل التواصل الاجتماعي نقلت تفاصيل مرعبة عن الجريمة، مفادها أن القاتل كان تحت تأثير المخدرات عندما أقدم على فعلته الشنيعة.
حيث تربص بأمه عند عودتها من زيارة لصديقتها، فأغلق عليها باب غرفتها ثم طعنها و.. ذبحها!، وحين حاول أخوه وصديقه فتح الباب، وجداه مغلقاً، فكسراه ليريا الأم مفصولة الرأس عن الجسد، وحين حاولا الإمساك به هرب إلى صديق له، لكن هذا الصديق طرده عندما رأى الدم على ملابسه، وأبلغ الشرطة التي قبضت عليه. ونقل عن المجرم قوله إن أمه كانت مسؤولة عن وضعه البائس، وأنها عدوته!!
عمة القاتل تلقت العديد من رسائل التعزية التي تخللها أسئلة عدة حول الدوافع والأسباب وراء ارتكاب ابن أخيها تلك الجريمة، لتجيب في أحد ردودها:
«هذا نوع جديد من المخدرات اسمه فلاكا، وهو حديث الظهور في الأسواق، فالأعراض التي ظهرت على القاتل منذ أيام عدة، تشير إلى أنه كان يرغب بتناول الدماء، إلا أننا اعتقدنا بأنه يمازحنا، لكنه أحضر طائر حمام وقطع رأسه وشرب دماءه وأكله نيئاً».
وأضافت أن القاتل انتابته أعراض ثانية، تمثلت بتحليه بقوة وسرعة تعادل قوة «أسد هائج»، داعية من أراد التأكد من صحة كلامها بخصوص ما تحدثه مادة الـ «فلاكا»، متابعة بعض الفيديوهات على موقع «يوتيوب»، منوهة بأن تلك المادة رخيصة الثمن، لا تتجاوز الدولارات الثلاثة.
مخدرات الـ «فلاكا» الاصطناعية الزهيدة السعر، المعروفة في الولايات المتحدة الأميركية باسم «الجنون بخمسة دولارات»، تؤدي إلى إدمان كبير ونسب وفيات مرتفعة، وفق ما أفادت به هيئة مكافحة المخدرات، خصوصاً بعدما تسببت بوفاة عشرات الأشخاص في ولاية فلوريدا.
وتقدمت إحدى العضوات في جمعية «يونايتند واي»، وتدعى هيذر كلارك، بشرح يفيد بأن «منطقة برووارد، تعد منشأ الفلاكا، المكونة خصوصاً من مادة ألفا - بي في بي». وأضافت أن هذه المخدرات يتم تعاطيها غالباً على شكل سجائر، ويمكن أيضاً استنشاقها أو حقنها، واصفة إياها بأنها «خطيرة بالفعل، وليست مجرد مادة تستهلك للانتشاء، بل تسبب أذى».
من جانبها، أوضحت السلطات المحلية في فلوريدا، أن مادة الـ «فلاكا» يتم استيرادها من الصين، من خلال الطلب عبر شبكة الإنترنت، لقاء 1500 دولار للكيلوغرام الواحد، مشيرة إلى أن اسم «فلاكا» مشتق من كلمة إسبانية تعني «امرأة نحيفة». وتتسبب هذه المادة بحدوث اضطرابات في القلب.
وتزيد من أنماط السلوك العنيفة والهذيان، بالإضافة إلى ارتفاع حرارة الجسد لأكثر من 40 درجة مئوية، تدفع الضحايا إلى خلع ملابسهم، ظناً منهم أن النيران تشتعل في أجسادهم، ويركضون في الشارع، وأن هناك من يلاحقهم ويريد قتلهم.
كذلك هز الرأي العام العربي، قيام مجرم بذبح أخيه في مدينة عربية، وإلقاء جثته مفصولة الرأس عن الجسد أمام البناية التي يسكنانها.
مشاهد لم تكن معهودة من قبل في الشارع العربي، فما الجديد الذي دخل على المنطقة وهزّها، وفجّر أخلاق بعض أهلها؟.
تفسر «الفلاكا» بعض ألغاز داعش التي أدخلت «ذبح» الإنسان إلى القاموس الأسود في تاريخ العرب، خاصة أن أغلبية عناصرها الأوروبيين من مدمني المخدرات. كما أن التصوير الهوليودي المتقن لجرائم جز الرؤوس، يشي بأصول داعش الغريبة عن الأمة وعن الدين.