استخدام القوة في حل الخلافات بين الدول محرم وفق ميثاق الأمم المتحدة، الذي صدر بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أن هناك استثناء من ذلك، في الحالات التي تتعلق بالدفاع عن النفس، أجازتها المادة 51 من الفصل السابع من الميثاق الأممي.
إلا أن مفهوم القوة موضع خلاف بين الدول، فهو في نظر الدول الغربية يقتصر على القوة المسلحة، أما مظاهر القوة الأخرى التي اعتادت الدول العظمى ممارستها بنفوذها السياسي أو بالاستعراضات العسكرية لحاملات طائراتها وصواريخها وبوارجها الحربية، فهي لا تدخل ضمن ذلك، لأنها تضفي شرعية على هيمنتها على مقدرات العالم.
الوجود العسكري التركي المحدود في معسكر بعشيقة، ليس حديث عهد في محافظة نينوى، فقد دخلت هذه القوات بعد احتلال تنظيم داعش لأجزاء من المحافظة في ظروف ملتبسة، لم تخلُ من دور لبعض الجهات العراقية للمساعدة في تدريب قوات محلية، دون التنسيق مع السلطات الرسمية العراقية.
التعقيدات الشديدة في هذا المشهد، لا تغري بالتطرق إلى الإشكالات الكثيرة حول شرعية وجود هذه القوات من عدمها وفق المواثيق الدولية، فتبريرات التدخل وإقناع الرأي العام بها شائع في عالم السياسة، وهي لا تتفق في الكثير من طروحاتها مع الدوافع النبيلة التي صيغت بها المواثيق الدولية حول احترام سيادة الدول.
إلا أن معركة تحرير الموصل، قد دفعت بهذا الوجود إلى واجهة الأحداث، حين وضعت تركيا بعض الخطوط الحمراء، تتعلق بمجريات المعركة والقوى المساهمة فيها، خاصة أنها ليست من دول التحالف في الحرب على داعش.
وبالتالي، يرى العراق أن وجود قواتها على الأرض العراقية غير شرعي، وعليها سحبها، وهو ما ورد في الشكوى التي تقدم بها العراق إلى مجلس الأمن الدولي في ديسمبر 2015، التي استجاب إليها المجلس، متخذاً قراراً شدد فيه على ضرورة موافقة العراق على دخول أي قوات إلى أراضيه.
معركة تحرير الموصل، رغم أهميتها العسكرية، إلا أن أهميتها السياسية تفوق ذلك، فقد كشفت عن حجم التعقيدات المرتبطة بها، وعن الدور المتشابك للقوى الإقليمية، خاصة تركيا وإيران، للتحكم بمساراتها ومآلاتها.
ففي الوقت الذي ترى تركيا نفسها في مواجهة موقف دفاعي عن أمنها القومي، ترى إيران نفسها أمام فرصة سانحة لتوسيع نفوذها نحو منطقة جديدة داخل العراق، مجاورة للحدود التركية، لمواجهة التصعيد التركي في شمالي سوريا وشمالي العراق، والذي يعيق مشروعها في البلدين. فأسلوب تحرير المدينة وما يحيط بها، والقوى المشاركة في ذلك، لا تراه تركيا خياراً عراقياً فحسب، لأن هناك قضايا تخص أمنها القومي في ناحيتين
: الأولى، هي أن التغييرات في التركيبة السكانية في محافظة نينوى في ضوء السيناريوهات المتداولة، تشكل خطراً على الأمن القومي التركي على الأمد البعيد، والثانية، هي زيادة المخاطر الآنية التي تهدد هذا الأمن، خاصة أن الحاضنة لقوات البي كاي كاي المعادية، قد اتسعت في العراق، في الوقت الذي تصاعدت فيه حدة العنف الذي تمارسه هذه القوات في الداخل التركي.
في هذه الأجواء الملغومة بالاحتقانات، عمد بعض الساسة العراقيين إلى التصعيد في حملة التصريحات المعادية لتركيا، لا يخلو بعضها من التناغم مع رغبات دولة أخرى، متجاهلين حقيقة غابت عن أذهانهم، وهي الصورة السلبية التي تشكلت في الذاكرة العراقية عن حقبة الصراع الفارسي العثماني على أرض العراق.
فالتوتر التركي العراقي، لا يخفي حقيقة أنه توتر تركي إيراني غير معلن، على قاعدة رؤى ومصالح متباينة في عدد من القضايا، تتعلق بالملفين العراقي والسوري، اللذين أصبحا في نظر هاتين الدولتين متداخلين.
فالتنافس بين القوتين لا يزال قائماً، خاصة بعد عودة تركيا لارتداء زيها الشرق أوسطي، مع تراجع مسيرتها نحو أوروبا، هذا على الرغم من الطابع البراغماتي المصلحي الذي يبعد علاقاتهما الاقتصادية عن خلافاتهما السياسية. ففي أبريل المنصرم، صرح الرئيس التركي أردوغان، بأن بلاده تسعى لإيصال حجم التبادل التجاري مع إيران إلى ثلاثين مليار دولار سنوياً.
رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، أعلن صراحة بأن بلاده لا تريد المواجهة العسكرية مع تركيا، وليس أمامه سوى انتهاج سبل الحكمة في التعامل مع هذه الأزمة، بعيداً عن التأثر بإرادات الآخرين، فبالقدر الذي تنسق القيادة العامة للقوات المسلحة العراقية مواقفها لتصبح أكثر انسجاماً وتوافقاً مع استراتيجية التحالف الدولي في الحرب على داعش، تقلص.
في الوقت نفسه من مساحة الخلافات والتوتر مع تركيا، وتقلل كذلك من فرص تصاعد التوترات الإقليمية، وهو ما يصب في صالح العراق وتركيا، التي أعلنت على لسان وزير خارجيتها مولود جاويش أوغلو، بأنها ستسحب قواتها من بعشيقة، ما إن تنتهي عملية تحرير الموصل وإعادتها إلى سكانها الأصليين.
ثلاثة قوى مسلحة تقرر مصير الموصل عسكرياً، وهي قوات إقليم كردستان والقوات المسلحة العراقية، وما ينضوي تحت قيادتها وقوات التحالف الدولي، ولكل من هذه القوات أهدافه المعلنة.
وربما لدى البعض منها ما هو غير معلن. إلا أن مستقبل المدينة السياسي ومحيطها الأوسع، محافظة نينوى بتنوعها الإثني والديني والمذهبي والثقافي، ربما يتجاوز إرادات هذه القوى للسماح بأدوار لإرادات محلية، تنسجم مع طموحات سكان المحافظة نفسها، التي لن تكون بمعزل عن التأثيرات الإقليمية التركية والإيرانية.