الاستعدادات قائمة على قدم وساق في انتظار الإدارة الجديدة وسياستها الخارجية والتي يرجح الكثير أنها ستكون بقيادة هيلاري كلينتون. فمؤسسة السياسة الخارجية في واشنطن تثير كثيراً من اللغط والاستياء حول السياسة الخارجية لإدارة أوباما المنتهية ولايتها في 20 يناير 2017.
وتتضمن هذه الاستعدادات تشكيل ما يعرف بفرق عمل من مراكز الفكر والبحوث والتي تعج بها العاصمة الأميركية. وترى هذه الفرق أن إدارة أوباما قد تراخت في تعاملها مع العالم مما شجع خصومها ومنافسيها على التمدد على حساب مصالح الولايات المتحدة.
فبوتين روسيا تزحف شرقاً وغرباً وجنوباً وتتحدى الدول الغربية في تحركاتها. فهي تهاجم جورجيا وأوكرانيا وتدعم بشار الأسد في حربه ضد المدنيين في سوريا وتقتل المعارضين في الداخل والخارج.
ولعل ابلغ دليل على تذبذب السياسة الخارجية الأميركية بالنسبة لهذه المجموعات الفكرية هو سوريا، حيث توعد أوباما بالويل والثبور وعظائم الأمور حين استخدم الأسد الأسلحة الكيماوية ضد السوريين المدنيين في العام 2013. وأعلن أوباما حينها ان استخدام الأسلحة الكيماوية خط أحمر .
ولكن خطوط الرئيس الأميركي الحمراء قد تحولت إلى خطوط وردية وقبل بالخطة الروسية لإزالة الأسلحة الكيماوية السورية.
وضمن نفس السياق، يرى الكثير ان الصين تفتل عضلاتها في جنوبي بحر الصين وان كثيراً من دول جنوب شرقي آسيا بدأت تتخوف من الهيمنة الصينية في هذا الإقليم والذي شهد صراعات كبرى إبان الحرب الباردة. ورغم ان إدارة أوباما أعلنت نهاراً جهاراً عن خطتها لإعادة التوازن في منطقة آسيا إلا أن مصداقية هذه السياسة ما لبثت ان فقدت بسبب تنصل الإدارة منها بعد الردود السلبية.
وتتسم فرق العمل هذه بـ«الحياد الحزبي»، أي أنها تتشكل من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وجلهم من الإدارات السابقة والذين انشغلوا بالسياسة الخارجية والأمن الوطني.
وحسب ما جاء في صحيفة «واشنطن بوست» فان ستيفين هادلي، مستشار الأمن القومي في إدارة بوش الثانية، ومعه مادلين اولبرايت، وزيرة الخارجية السابقة في إدارة بيل كلينتون الثانية يقودان فريق عمل دولياً تابعاً لمجلس الأتلانتيك لإعادة تقييم سياسة أوباما الخارجية في منطقة الشرق الأوسط.
وتوصي مجموعة العمل الإدارة المقبلة باتباع سياسة خارجية أكثر حزماً في المنطقة. كما أنها ترى ضرورة مواجهة داعش حتى بتدخل بري.
وتشير مجلة «ذا نيشن» إلى مجموعة أخرى تحت إشراف مارتن انديك والتابعة إلى مركز بحوث بروكينز مكونة من أعضاء إدارات كلينتون وبوش وأوباما. ويعلق كاتب المقال أنهم جميعاً من المؤمنين باستثنائية الولايات المتحدة وأنها «الدولة الضرورة» لإدارة دفة العالم، وجميعهم من المحافظين الجدد أو الليبراليين المروجين للتدخلات الخارجية وأنهم بلا استثناء دعموا الكارثة التاريخية لغزو العراق.
ومن ضمن الرؤية الجديدة/ القديمة ان على الولايات المتحدة ان تلعب دوراً قيادياً في العالم وان النظام العالمي الذي اسسته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية بات معرضاً للخطر، كما يقول مارتن انديك احد المروجين لدور اكبر لواشنطن.
ولا يفوت المراقب الحصيف مدى تماثل هذه الرؤية مع رؤية البريطانيين والفرنسيين حول عبء الرجل الأبيض أو المهمة الحضارية للأوروبي، كما عبر عنها الشاعر الإنجليزي روديارد كيبلينغ. وتتقاطع رؤى صقور الليبراليين في الحزب الديمقراطي مع كثير من رؤى المحافظين الجدد والذين كانوا وما زالوا يدعون الولايات المتحدة لتوظيف قوتها الجبارة لنشر قيمها الديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان في العالم.
ويخطئ الكثيرون حين يظنون ان الحزب الديمقراطي مكون من حملان ودعاء او حمائم سلام. فالويلسونية — نسبة الى الرئيس ودروو ويلسون (1913-1921) — أسست للتدخلات الخارجية وما عرف بالليبرالية العالمية أو الليبرالية التدخلية. وقد اعلن الرئيس ويلسون نقاطه الأربع عشرة مع نهاية الحرب العالمية الأولى والتي تضمنت مواضيع تخص التجارة الحرة وحق تقرير المصير للشعوب.
ورغم ايمانه بالسلام وحرية الشعوب في اختيار نمط عيشها ونظامها السياسي إلا انه تدخل بعنف بشؤون اميركا اللاتينية معلناً عزمه على تعليم الأميركيين الجنوبيين كيف يختارون قادتهم الجيدين: فقام بغزو المكسيك في 1914 وغزا هاييتي في 1915، ثم احتل عسكرياً جمهورية الدومينيك 1916 وكوبا في 1917 وبنما في 1918، ناهيك عن مشاركته في الحرب العالمية الأولى.
وفي هذا المضمار علينا ان نتذكر أن حروب الولايات المتحدة الرئيسة في القرن العشرين كانت تشن من قبل الديمقراطيين وليس الجمهوريين ولكن بصوت أخفت من خصومهم الجمهوريين.
فالحرب العالمية الأولى شنها كما قلنا الرئيس الديمقراطي ويلسون والحرب العالمية الثانية قام بها الديمقراطي فرانكلين روزفلت، والحرب الكورية أشعلها الرئيس الديمقراطي هاري ترومان، وحرب فيتنام بدأها الرئيس الديمقراطي جون كيندي وصعدها الديمقراطي ليندن جونسون بعد ان خلف كيندي عقب اغتياله.
فالقول إن الديمقراطيين يجنحون للسلم اكثر من الجمهوريين قول يجانب الحقيقة والتاريخ. فالمتوقع أن كلينتون إذا قوض لها الفوز بأن تشكل طاقمها من السياسة الخارجية والأمن الوطني من العناصر في الحزب الديمقراطي والتي ترغب في سياسة خارجية جامحة وحازمة. وإن غداً لناظره قريب!