يُنشر هذا المقال بعد ساعات قليلة من الموعد المفترض أن تعلن فيه نتائج انتخابات الرئاسة الأميركية، التي ظلت مفتوحة على كل الاحتمالات حتى اللحظة الأخيرة، بما في ذلك احتمال تأخير إعلان النتيجة أو حدوث عنف في اللجان.
لكن إطلالة سريعة على مجريات تلك الحملة الفريدة من نوعها على مدار ما يقرب من عامين يكشف عن أن الإعلام الأميركي كان أحد أهم الخاسرين. فقد بدا مهموماً بما لا يهم، ومنحازاً حين لا ينبغي له الانحياز، ومتجاهلاً لما لا يجوز تجاهله. والأخطر من ذلك أنه صار أحد أطراف الأزمة العميقة التي يعيشها النظام السياسي والحزبي الأميركي.
فالإعلام الأميركي، الهادف لتحقيق الربح، ظل كعادته يغطي الانتخابات بمنطق «سباق الخيل». وهو التعبير الذي صكه الباحثون للدلالة على تقديم الإعلام للمرشحين باعتبارهم «متسابقين».
فهذا المرشح يتراجع، وذاك يتقدم خطوات، وحملة فلان تغير استراتيجيتها، وتلك تحسّن من طريقة استهدافها لذلك القطاع من الناخبين، وهكذا. ومنطق سباق الخيل يعني بالضرورة تراجعاً في الاهتمام بالقضايا التي تهم الناخبين. ولأنه إعلام يهدف للربح، فإنه يهتم كثيراً بما يمكن تقديمه من أخبار تحمل تشويقاً وإثارة.
ومن هنا، تلعب الفضائح دوراً مهماً في تغطية الإعلام الأميركي للأخبار عموماً وللانتخابات على وجه الخصوص. والإعلام الأميركي في كل ذلك، ليس وسيلة لتغطية الحملات وإنما هو طرف رئيسي صانع لها. وكل ذلك معروف منذ سنوات وتناولته الأبحاث بالدراسة والتحليل.
لكن الإعلام الأميركي تفوق في هذه الانتخابات على نفسه بالنسبة لكل تلك الاعتبارات حتى صار جزءاً من الأزمة السياسية نفسها. فهو منذ بدء الحملة التمهيدية في عام 2015، غطى حملة غير تقليدية بمنطقه التقليدي. فكان سبباً فيما آلت له الأمور.
فهو تجاهل المرشح برني ساندرز في البداية باعتباره خاسراً ثم فوجئ بصعوده القوى الذي لم يحسب حسابه إلى أن تكفلت قيادات الحزب الديمقراطي به عندما انحازت لكلينتون، وهو الموقف الذي سانده الإعلام الأميركي بقوة! أما على ساحة الحزب الجمهوري، فطوال المرحلة التمهيدية، كشف الإعلام الأميركي عن هوس بتغطية دونالد ترامب مهما كانت فجاجة وعنصرية ما يقول.
فترامب كان بالنسبة له في تلك المرحلة «مادة» ثرية بالإثارة والتشويق والجدل، مما يحقق أرباحاً خيالية. فكان الإعلام أحد الأسباب وراء فوز ترامب بترشيح الحزب. فالتغطية اللانهائية لكل تصريح فج له كانت بمثابة دعاية مجانية استفاد منها ترامب وإضفاء للشرعية على مقولات بالغة التطرف.
لكن الإعلام الأميركي وقع ضحية أدائه وتوقعاته البائسة. فما إن فاز ترامب فعلاً بترشيح حزبه، وصارت أمامه فرصة فعلية للوصول للرئاسة، حتى انقلب عليه الإعلام حتى بات وكأنه منحاز لمنافسته. فكانت المفارقة هي أن الإعلام، الذي أدمن، على ما يبدو، تغطية ترامب كمادة للتشويق بينما انقلب عليه في الوقت ذاته، بدا متناقضاً بل وعرضه لهجوم ترامب نفسه.
كل ذلك يطرح أسئلة حول الانحياز الإعلامي في بلد ديمقراطي. وفي تقديري المتواضع، أفهم أن ينحاز الإعلام، مثلاً، لقضية كبرى، مثل الحرب والسلام، أو أن ينحاز لمبدأ مهم كالكرامة الإنسانية بغض النظر عن العرق أو الدين. أما ما شاهدناه من انحيازات في الإعلام الأميركي، فتلك قضية أخرى تماماً.
لكن أكثر ما يكشف عن فشل الإعلام الأميركي هو ما تجاهله لا ما قدمه. فإلى جانب تجاهله للقضايا الكبرى، في وقت تخوض فيه أميركا حروباً حول العالم وتعاني داخلياً من معضلات كبرى، بدءاً بتوفير الحد الأدنى للفقراء ووصولاً لحقوق الأقليات، فإن الإعلام الأميركي تجاهل أمرين لا يقلان أهمية. فهو تجاهل بالكامل مرشحي الأحزاب الصغيرة بل وهو الأخطر تجاهل بدرجة لافتة انتخابات الكونغرس!
ففي عام انتخابي يموج فيه المجتمع بغضب كاسح على اليمين واليسار معاً، وفي انتخابات غير تقليدية كانتخابات 2016 التي ظل فيها الهامش بسيطاً في 7 ولايات على الأقل، كان مثيراً للانتباه تجاهل مرشحي الأحزاب الأخرى التي قد تحسم نسبة التصويت لها، مهما صغرت، نتيجة الانتخابات.
والأخطر من ذلك، كم مرة وقعت عينك، عزيزي القارئ، على موضوعات إعلامية أميركية تركز بالكامل على انتخابات الكونغرس، لا على أثر الانتخابات الرئاسية عليها؟
ففي بلد مثل الولايات المتحدة يقوم نظامها السياسي على دور محوري للمؤسسة التشريعية الأميركية، بدءاً من دورها وحدها في إعلان الحرب ومروراً بدورها في اختيار قضاة المحكمة العليا ووصولاً لهيمنتها على كل ما يتعلق بالإنفاق الداخلي والخارجي، يصبح تجاهل انتخابات الكونغرس مثيراً لعلامات استفهام كثيرة تتعلق بمعنى الديمقراطية أصلاً.
كتبت هذا المقال قبل أن أعرف نتيجة الانتخابات، والتي ستكشف بالضرورة عن خاسرين آخرين من وراء تلك الانتخابات البائسة بكل ما تحمله الكلمة من معنى!