من أقوالنا الشعبية حين نريد التعبير عن القيام بأمرٍ غاية في السهولة، نقول إنه كـ «شكة دبوس»، فهذه الجملة البسيطة، تمثل ببساطتها سهولة الفعل نفسه، لكن ما السبب الذي جعلنا نختاره عنواناً لمقالنا هذا الأسبوع؟!، ربما لطرافة المشهد، وواقع حال مجتمعاتنا الإسلامية التي أصبح فيها «القتل» أمراً في غاية السهولة، تماماً كشكة دبوس.

ففي كل يوم نطالع فيه أخبار عالمنا الإسلامي، فإننا سنقف على عناوين تحبس الأنفاس، وتقشعر لها الأبدان، ويكتوي بها الوجدان، كأن نقرأ: «ثلاثيني يقطع رأس أخيه بساطور»، أو «داعشي يقتل والديه»، وعندما نفتش بين السطور، فسنجد أن الأسباب متشابهة، والتي تكمن بالفهم الخاطئ للدين، حيث يبرر هؤلاء المجرمون أفعالهم بتفاسير خاطئة ومحرفة لمسائل دينية.

يقول الفيلسوف الأندلسي ابن رشد: «التجارة بالأديان، هي التجارة الرائجة في المجتمعات التي ينتشر فيها الجهل»، وهذا القول ينطبق كثيراً على مجتمعاتنا الإسلامية، فهي تجهل المفردات الحقيقية والمعاني السامية التي جاء ديننا منادياً بها، كما أنها جاهلة بقدراتها العقلية التي تمكنها التفكر بما يُسمع، ويُقال، ويُنشر، وهذه هي نقاط الضعف التي استند عليها تجار الدين لتسييسه لأغراضهم الشخصية، أو لتحويل شبابنا إلى أنعام يقتادونهم مثلما يشاؤون، فطرف يصدر فتوى أو حكماً، والآخر ينفذ دون أدنى تفكير، والعالِم والفاهم يعاني خطر التكفير.

قبل سنوات قليلة، كان بين أيدينا قضية جنائية لشاب نحر أمه بعد أن ركب على صدرها، والسبب يعود إلى فتوى شرعية، وبقيت القضية حبيسة الأدراج شهوراً عدة، قبل أن تخرج إلى الإعلام، ولو كان باستطاعتي الوصول إلى صاحب هذه الفتوى، لطالبت بإعدامه، ووقفت محامياً لاسترداد حقوق المسلمين كافة، فهو المخطط لواقعة القتل، وهذا عقابه أكبر وأقسى قانونياً وإنسانياً، وحتى شرعياً.

للأسف، بعض رجال الدين، أو حتى العامة من الناس، أصبح يعتبر الدين سلعة، ولا نبالغ إن قلنا إن البعض أوجد مصطلح «تسليع الدين»، كقانون ومنهجٍ للتأثير في الناس واقتيادهم لتنفيذ ما يأخذهم إلى الهلاك، فقد أصبح الدين لدى البعض متاجرة وسلعة، وبمقدار التحريف والتخريف بأمور الدين، يكون الثمن، وكلما كان الإبداع والاحترافية في تغليب الحقائق، كان النصيب أوفر من ملذات الدنيا بأشكالها وأنواعها، وهذا يُمثل الشكل الأول من المتاجرة.

أما الشكل الثاني للمتاجرة، فتتمثل بـ «توظيف الدين لدعم السلطة»، أو حتى للحصول عليها، فتجد من يتحايل على الناس بلباسه الأبيض، ليظهر طاهراً وَرِعاً، بيد أن داخله السواد، ونيته وغايته من ذلك تحقيق مآربه، وهذا النوع كثيراً ما يظهر في أوقات الانتخابات، ومع اقتراب التغييرات الوزارية، فتجد من يستغل عمامته البيضاء للوصول إلى السلطة الصفراء.

أما الشكل الثالث للمتاجرة بالدين، فهو من أخطر الأشكال، فهؤلاء يقومون بـ «تخزين الدين»، أي بمعنى تغليف حقائق دينية وتحريفها ووضعها على الرفوف لحين حاجتهم إليها، وعندما تحين المناسبة يطلقونها، فتجد بعض الأحاديث الضعيفة، سرعان ما تظهر لتصبح مستخدمة بكثرة لتحقيق غايات قذرة، وهؤلاء، ولأنهم تجار محترفون، أصبحوا يُجهزون حُزماً «بكيج» من التفاسير والأقوال المغلوطة، لإطلاقها مع بعضها بعضاً لتساند وتدعم الفكرة نفسها.

ولو نظرنا إلى جرائم القتل أو الانتحار التي تحدث في بلاد الغرب، أو المشابهة لما ذكرناه سلفاً، فسنجد أن دوافعها الأساسية، هي الخواء الروحي والفراغ الداخلي، حتى وإن كان سببها ظاهرياً الإدمان والمخدرات، لكن في مجتمعاتنا الإسلامية، فالدوافع نفسها، لكن بطريقة معاكسة، فمن شدة التحجر العاطفي والشحن الروحي والدعشنة الفكرية، تتولد الدوافع.

فيقدم الشاب على قتل أقرب الناس إليه، أو يذهب بنفسه إلى الهلاك فيفجر نفسه، وفي كلتا الحالتين، النتيجة واحدة، في حين أن ديننا الحنيف جاء بالعديد من الحلول لهذه المشكلة، وروحانياته السليمة تسهم في استقرار النفوس وتوازنها، لكن تلاعب تجار الدين بهذه الروحانيات أظهر لنا هذه الجرائم.

وبما أن تجار الدين يستخدمون الطرق الملتوية للوصول إلى شبابنا، فعلينا أن نقطع عليهم الطريق، بأن نكون أكثر وضوحاً، وألا نخجل بأن نعترف بانتشار الدعشنة الفكرية في مجتمعاتنا، وإيجاد أساليب توعوية قادرة على تغيير الفكر والأفكار، والتركيز على وجوب التعاون من أجل القضاء على الفكر المتشدد.

وضرورة الإبلاغ عن حامليه قبل حصول الكارثة، وإن حصلت الكارثة، يجب أن نطبق أحكام القصاص الذي نص عليه ديننا الحنيف، أو تطبيق أقصى العقوبات القانونية والشرعية، والمتمثلة بالإعدام، وليكن العقاب من جنس العمل، فكما يحرفون تفاسير آيات الله، علينا أن نردعهم بما جاء حقيقةً بكتاب الله.

إن الرهان مستقبلاً ليس على تحجيم دور التجار، إنما على قدرتنا على تثقيف المجتمع بأمور الدين الصحيحة، وقد ذكرنا في مقال الأسبوع الماضي «حزب الأطفال»، بعضاً من الأساليب الخاطئة لتنشئة الأبناء، واليوم نؤكد على أن جميع المراحل العمرية لمجتمعاتنا الإسلامية في خطر، فالتجار أصبحوا مَهَرة.

وأصحاب نفوذ وسلطة قوية، وصحيح أن السنوات القليلة الماضية قد كشفت لنا المستور، وأخرجت لنا ما تخفيه الصدور، إلا أن البعض ما زال يدسُّ السم بين السطور، ويبيع ديننا بأكاذيب، يُخيَّل لنا أنه عليها مأجور، لذا، علينا أن نقتلع أفكاره من الجذور، قبل أن يصيب بحماقاته أفراداً من الجمهور، فيقتنع البعض بأنها تعاليم ربنا البر الغفور.