خلال الأسابيع الماضية تم تداول فيديو لطفل يخاطب المصلين في أحد المساجد رغماً عنهم، قاطعاً بذلك خطبة الإمام على المنبر، ومن لم يشاهد الفيديو بإمكانه البحث عنه في اليوتيوب، والذي تحدث فيه الطفل عن الصمت العربي والإسلامي على الانتهاكات التي تقوم بها إسرائيل بحق المسجد الأقصى، منادياً برجوع عصر الفتوحات الإسلامية ضارباً المثل بـ«وامعتصماه».
الطفل الذي تحدث بنبرة المتحدي الغاضب الصارخ، لم يصمت بمحاولات حثيثة من إمام المسجد وبعض المصلين لإيقافه، وعلى الرغم من أنه لم يأتِ بأي جديد، فكلامه وعباراته سمعناها كثيراً إلا أننا وجدنا من يشجعه على استكمال حديثه منادياً «اتركوه.. اتركوه»، والبعض كتب معلقاً على وسائل التواصل الاجتماعي:
«ما شاء الله، قدر يسكّت الخطيب»، ولو أن هذه الواقعة قام بها شاب لأوسعه المصلون ضرباً وشتماً، إلا أن هذا الطفل استطاع أن يستجلب حوله جمعاً غفيراً من المصلين لم ينكروا عليه فعله، حيث قام في غير مقام، مقاطعاً للإمام.
هذه الحادثة هي التي وصلت إلينا، في حين أن هناك الآلاف من الحالات التي لم تصل ولن تصل، هذا الصغير تجرأ أو ربما دُفع له أو طُلب منه التصرف بهذه الطريقة ليكون لسان حال الصامتين، وأيضاً هناك الكثيرون ممن يغلقون أبواب غرف أولادهم لمنعهم من الإدلاء بأفكارهم الدعوية أو الجهادية إن صح التعبير خارج أسوار البيت، وبكلتا الحالتين نصنع قنابل موقوتة يستغلها البعض لتنفيذ مخططاتهم العدوانية.
دائماً ما نبحث عن الانتهاكات التي تخص الأطفال، ونفتش عمن سلبهم طفولتهم وصنع منهم دروعاً بشرية، ونستهجن ونثور غاضبين عند وجود مثل هذه الحالات، لكن لم نفكر يوماً أن البعض يصنع الأمر ذاته لكن بطريقة تربوية، بحجة أنه يؤسس لولد صالح يدعو للحق، وينهى عن الفحشاء والمنكر، ويحوله إلى مجرم فكراً قبل أن يصبح فعلاً ونتساءل أي المجرمين أشد، من يخطط ويدبر أم من يقوم كالبهيمة بالفعل؟!
إن القوانين والأعراف الدولية المختصة بحماية حقوق الأطفال جاءت للحفاظ على أرواحهم، إضافة إلى منحهم الحقوق لعيش هذه المرحلة من الحياة من دون أي تهديد، وعلى الرغم من أنها جاءت مجرِّمة لمن ينتهك حق الطفل صراحةً سواء بالاستغلال أو الإيذاء الجسدي، إلا أنها لم تلتفت لمن يعبث بالحقوق النفسية والفكرية للأطفال.
ولعلها تركت هذا لإنسانية الأهل في البيت، لكن عندما يُشبَعُ بالأفكار الجهادية، ونحدثه ليلاً ونهاراً عن تلك الانتهاكات بحق الإسلام والمسلمين، ونحمله أدواراً ومسؤوليات منذ الصغر، وبأنه جزء من الحل المستقبلي، سيصبح ناقماً على الآخر، وسيتحول مادة قابلة للاشتعال أو التفجير في أي لحظة.
وماذا لو كان الطفلُ أشقر وعيناه زرقاوان وأقصد الطفل الغربي، هل كان سيتحمل حمل الكبار ويخطب بالناس في المساجد أو الكنائس أو الصوامع أو في الصلوات، وهنا دعونا نتساءل ما الفرق بين أطفالنا وأطفالهم؟ الفارق كبير جداً في معانيه وتفاصيله، فأطفالهم عرفوا معنى الطفولة فعاشوها، وأطفالنا أنسيناهم معانيها، فأمَتْنَا طفولتهم وحولناهم لشيّاب قبل أوانهم، أطفالهم يلعبون..
يمرحون.. يتعلمون.. يخطئون، وأطفالنا يجاهدون.. يصرخون.. يقتلون ويُقتلون، فالمشكلة ليست بأطفالنا، إنما بمن يربيهم بداية من الأهل، مروراً بالمدرسة، ووصولاً إلى المجتمع بأكمله.
نحن ننتهج منهج الصرامة في التربية، وكأنه هو الحل والأسلوب الوحيد الذي يُنشئ رجالاً، ونريد من أطفالنا أن يعيشوا مراحل عمرية أكبر منهم سناً، ليس فكراً إنما تصرفاً، وحتى لو كانت فكراً فما ذنب طفل عمره سنوات أن نحمله أخطاء مجتمع بأكمله، لذا دعوه يتلذذ بالخلاص من المسؤولية، دعوه يخطئ من دون أن تحصل كارثة، دعوه يلعب من دون أن تلعبوا بمستقبله.
تمر علينا الكثير من الحوادث والمصارحات التي نكتشف من خلالها أن هناك بيوتاً عبارة عن معتقل أو حزب أو مقر لجماعة أو تنظيم، يعامل فيه الطفل على أنه صلاح الدين الأيوبي المنتظر، ويتم شحنه بتفسير خاطئ لقوله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) [سورة الأنفال: آية 60]، وأن الفتوحات الإسلامية سترجع على يده بعد أن يشبهوه بقادة المسلمين كـ«أسامة بن زيد» رضي الله عنه، فيحمل الصغير حمل الجبال.
وتصبح مسيرته الحياتية خالصة لهذه الأفكار من دون أن يلتفت يوماً إلى نفسه وذاته ولا إلى مستقبله، وعندما يسترجع طفولته يوماً ما، مقلداً طفلاً آخر، أو ممارساً لتصرفات أبناء جيله سيُقال له بأن عليه الثبات، فنهجه الأول هو الصواب، وأن الآخرين ما هم إلا صغار تلعب بعقولهم الشياطين الأشرار.
وعندما نسمع بتفجير أو عمل إرهابي نقول: كيف أتى هؤلاء المجرمون؟ وتناسينا بأنهم كانوا أطفالاً صغاراً أبرياء، وجاء من حولهم بأفكاره المسمومة، وبتاريخ محرَّف ليحولهم إلى خِراف يقتادونهم إلى المسالخ والمهالك بحجج ومسميات بالية: (دولة إسلامية، وطنيات مزينة، أمجاد محرّفة)، وهذا ما هز صورة الإسلام أمام العالم.
هذا الفيديو المتداول ليس حادثة عابرة، فبعد أن شاهدنا الخراب في كل مكان، مازلنا نشاهد مثل هذه الأفكار تخرج من أفواه الصغار، فكيف ستكون أفكار والديه الكبيرين اللذين ربياه وعلماه وحفظّاه؟!
لن يكون الخير في أمتنا إلا إذا عاشت شعوبها كل مرحلة بمقوماتها ومسؤولياتها، أي بمعنى أن الطفل يمرح حتى يشب، والشاب يعمل ويجرب حتى يشيب، و«الشايب» يعطي ويساند حتى يفنى، هذه المراحل العمرية الثلاث التي يجب أن نعيشها ونتعايشها.