هزم فريق تجديف ياباني نظيره الأميركي في سباق قوارب، وتم التعاقد مع مكتب استشارات مرموق بمبلغ كبير لمعرفة سبب الإخفاق، كانت النتيجة أن القارب الياباني فيه مسؤول واحد وثمانية أشخاص يقومون بالتجديف، بينما الأميركي ثمانية مسؤولين ومُجدّف واحد، وتم اقتراح نموذج جديد بالتنسيق مع المجموعة، وعليه أصبح هناك مسؤول واحد فقط وأسفل منه ثلاثة نوّاب ويليهم أربعة مشرفين، وبقي الـمُجدّف وحيداً، وبالطبع خسروا من جديد وتم الاتفاق هذه المرة على التصحيح الجذري لذلك الخطأ بإنهاء خدمات المجدّف!

لو جدّف «أبطال الهذربان» مع ذاك المسكين لربما نافسوا، ولو شمّروا عن سواعدهم للعمل بدل تقمّص شخصية «الباشا» الذي يأمر ولا يؤمَر لربما تحسّنت الأمور، ولو كان مسؤولهم ذا رؤية لما تعامى عن الخلل الكبير وانشغل بشكليات لا فائدة منها، ما حدث لقارب التجديف يحدث في كثير من المؤسسات، حيث يكثر من يتكلّم ويأمر ويَقِل من يعمل!

حقيقة لم أتوقع أن يحظى مقال الأسبوع الماضي بكل ذلك التفاعل الذي صدمني بدلالته لحجم المشكلة، هو أمر محزن للغاية أن يكون لدينا آلاف من الشباب المحب لوطنه والذين تعبت عليهم قيادة البلد الرشيدة في رعايتهم وتعليمهم وبث حب التحدي فيهم، وعندما أتى أوان أن يردوا ذاك الجميل لبلادهم يجدون عراقيل لا تنتهي وجدراناً قاتلة يقيمها بعض المسؤولين «المتفرعنين» في المؤسسات التي يعملون بها وتقتل فيهم ليس كل رغبةٍ في التميز بل حتى في العطاء!

هذا المدير أو المسؤول الذي يتفنن في التنكيد على موظفيه وخاصة أولئك الذين يعملون في جهات لا يوجد تعامل مباشر مع العميل بها ولا تصطادهم أعين المتسوّق السري، لا يتوقف ضرره في تعطيل تطوّر المؤسسة ولا في القصور الذي يحدث في خدماتها وتكاملها مع بقية المؤسسات المرتبطة بها، بل يتعدى ذلك لأنه بتصرفه ذلك يكلّف البلد الكثير من الأموال والجهود والأوقات التي بُذِلَت في بناء هؤلاء الشباب بتحجيم قدراتهم وتعطيل الاستفادة منهم!

السؤال المحير هنا هو: «بمن تقتدي هذه النوعية من المديرين؟»، ليس زايد الخير رحمه الله، بالتأكيد، فقد كان الباني العظيم والمحفز الأكبر والداعم الأول للشباب، وليس صاحب السمو رئيس الدولة، حفظه الله، وهو المعروف بقربه من الناس ولطف معشره ودماثة خلقه، وبُعد نظرته وحرصه على شعبه فرادى وجماعات، وليس «بو راشد» وفقه الله، ونحن نرى الطفرة الهائلة التي حدثت في الوزارات الاتحادية منذ تسلّم رئاسة مجلس الوزراء، وتَتَرْجَم ذلك في المكانة العالية للدولة في مؤشرات التنافسية العالمية!

وليس قدوتهم «بو خالد» حفظه الله، ونحن نرى في «برزة الإثنين» من كل أسبوع، تكريمه فريق عمل أو وفد مؤسسة أو قُدامى مؤسِّسين أو شباباً مميزين، ونرى حفاوته بهم وشدّه على أيديهم والثناء عليهم «علناً» أمام الجموع الكبيرة التي يغص بها المجلس الكبير، ونحن لا نسمع منه وهو يحدثهم إلا كلمتي «يا عيالي» و«يا إخواني».

ألا يتعلمون منه ويتأسون به ويحسنون تعاملهم مع الأمانة التي أوكلت إليهم بإدارة أماكن العمل التي هم فيها ومَن فيها دون تسلّط أو مزاجية أو محاباة، ألم يشاهدوه حفظه الله، قبل أيام وهو يزور شركة أدنوك ويلتقي بموظفيها، وتخرج منه تلك الكلمات التي منحت التقدير للشركة واعتزازه بدورها في الماضي وثقته بريادتها في المستقبل، لم يبحث عن عثرات ولم يبخل بتشجيع ولم يتردّد عن شكر، كان يبعث الطمأنينة ويبث الحماس ويزرع الأمل، كان واضحاً وملهماً في طلبه منهم وهو يقول: «أريد كل واحد يعطي 100% من طاقته، المستحيل عند الله، لكن المستطاع نقدر نسويه»، شاركهم قلقه وهو يضيف: «التحديات كبيرة ومختلفة عن الماضي»، لم يقل «ما يخصكم هذا كلام للكبار بس»، كما يفعل بعض المديرين المصابين بالحَوَل الإداري، ثم عاد سموّه ليؤكد رهانه على من يستطيع مواجهة تلك التحديات بقوله: «الرهان دائماً على القدوة، على النوعية، على الأجدر، وأنتم الأجدر والقدوة»!

كثيرون لم يكن يعرفهم وربما كان بعضهم من الموظفين الـجُدد، لكن القائد العظيم هو من يملك ذكاءً عاطفياً كبيراً يستطيع به تفجير طاقات الآخرين وإلهامهم، تكلم عن الجيل الأول المؤسس ممن عانى وناضل وذاق مرارات الدنيا لبناء الوطن، ثم قال لمن أمامه من الشباب «عندي يقين ثم عندي يقين أنكم نفسهم»، ساد القاعة الكبيرة صمت مهيب عندما ختم كلمته بجملةٍ مدويةٍ لا يمكن أن ينساها أولئك الشباب أبداً: «أنا جاي لسبب واحد فقط: الرهان عليكم أنتم مش على غيركم»، بعد هذا الحديث المحفز، عندي يقين بأنه لو طلب منهم اقتلاع جبل حفيت لاقتلعوه!

المؤسسات الأميركية منذ فترة السبعينات وبعد ظهور انخفاض كبير في إنتاجية القوى العاملة قدّموا مفهوم التملّك Ownership لزيادة ارتباط الموظف بمؤسسته وإشعاره بأنه عنصر رئيسي فيها، بينما لا يشعر الموظف في بعض مؤسساتنا أن له أي أهمية إلا عندما يتقدم بطلب إجازة، والتي ترفض وفجأة يصبح ماله بديل!

إنّ الحكومة تنتظر أن تتعدى المؤسسات الحكومية التوقعات لا أن تحققها فقط، وأن تنافس مثيلاتها من أفضل المؤسسات العالمية، وهي قادرة على ذلك بالدعم الحكومي الكبير والكفاءات الرائعة من شباب وشابات الوطن، لا يغتال ذلك الطموح في بعض المؤسسات إلا بعض صغار العقول من فئة صاحب القارب أعلاه، فلا يمكن لمؤسسة أن تحقق أهدافها وتشارك بفاعلية في برامج التنمية الشاملة إن كانت بيئة العمل غير صحية وثقافتها تحفل بالإحباط والسلبية، وموظفوها يعانون نفسياً بشدة من الإجحاف والتنمّر ومحاباة خواص المدير و«خبّيصة الورقة» عنده!