جرت العادة حين تُمدح المعرفة أن يقال: المعرفة قوة. ولكن ما معنى هذا الحكم.. المعرفة قوة ؟

عندما يُقال المعرفة قوة فإنما المقصود أولاً وأخيراً المعرفة العلمية بكل أشكالها من العلوم الطبيعية والرياضيات إلى العلوم الإنسانية والفلسفة، إلى العلوم الأدبية والتي باتت تعرف بالنقد الأدبي وأشكاله.

هذه المعارف بكل أشكالها قوة لأننا بامتلاكها نمتلك القدرة على تحويلها إلى إنتاج، ووسيلة من أهم وسائل تلبية الحاجات، فمن يمتلك العلم يمتلك التقنية، ومن يمتلك العلم الإنساني يمتلك فهم المجتمع وحل مشاكله، ومن يمتلك العلوم الجمالية فإنه يمتلك القدرة على إنجاب السعادة وهكذا..

إن امتلاك المعرفة هذه، بكل أشكالها، بل وإبداعها واستقبالها وتحولها إلى أدوات لامتلاك العالم، وإلى منهج عقلي لحل مشكلات الواقع والتاريخ والإنسان كل ذلك هو الذي يحوّل المعرفة إلى قوة.

المعرفة قوة تعني بأن المجتمع قوي بقدر ما ينتج معرفة بكل صعدها العلمية، إنتاج المعرفة بكل أشكالها وهذا يعني بأن هناك فرقاً بين أن تنتج المعرفة وبين أن تتلقاها. إنتاج المعرفة يعني امتلاك القدرات الدائمة على الاختراع والكشف والتطوير بقواك الذاتية دون أن تكون بحاجة لدى أحد إلا في الضرورات التي لا قبل لك فيها. فيما تلقي المعرفة يعني التبعية للآخر ولمنجزات الآخر.

وبالمناسبة فإن الدول التي تمتلك المعرفة الآن استنت عقوبة جديدة إذا ما أرادت أن تنال من دولة ما، هذه العقوبة هي حرمانها من استيراد تقنيتها، وحظر التصدير لها. وكم تكون الدولة والأمة ضعيفة إذا لم تستطع أن تتحول إلى قوة علمية.

وليس هذا فحسب، المعرفة قوة تعني تكامل المعارف كلها وليس الاكتفاء بصعيد واحد من المعرفة، ولهذا ما نشهده اليوم في الوطن العربي من إهمال العلوم الإنسانية ليدل على ضعف شديد وفقر خطير الجانب. فعلم السياسة وعلم النفس وعلم الاجتماع وعلم الأنثروبولوجيا وعلم التاريخ والفلسفة والعلوم الأدبية كلها تمد العقل بمناهج التفكير الضرورية لمواجهة مشكلات الإنسان، وغيابها يعني حرمان العقل من القدرة على التفكير بالمشكلات الإنسانية.

من ذَا الذي يستطيع اليوم أن يفهم مشكلات مجتمع ما دون أن يرصد تحولاته الثقافية، والأثر الذي تتركه هذه التغيرات على عالم القيم والعادات والتي بدورها تتفق وراء السلوك. والثقافة لا تُفهم إلا بفضل علم الاجتماع وعلم النفس والأنثروبولوجيا والفلسفة. كيف نفهم التحولات في معنى الهوية دون أن تتضافر العلوم الإنسانية جميعاً.

وأمام الجامعات في الوطن العربي اليوم مهمة مراجعات سياساتها التدريسية، دون النظر إلى مسألة العمل، وعلى الدول أن تضع استراتيجية لإيجاد مؤسسات للمتخصصين بالعلوم الإنسانية، وإدخالهم في العقل المفكر للمجتمع.

ومع الإقرار بأهمية الطب والهندسة وما شابه ذاك لكن علوم الإنسان لا تقل أهمية عنها إن لم تكن تفوقها أهمية.

إننا نعيش انقلاباً هائلاً في الحياة بكل جوانبها، وليس غير العلوم الإنسانية بقادرة على الإجابة عن أسئلة هذا الانقلاب وأسئلة الحياة.