إذا أقيمت مسابقة للتعرف على أكثر خلق الله جدلاً ومناكفة، ولياً للكلم عن مواضعه، وتحايلاً على المنطق والحقائق، فالأرجح أن يفوز بها الصهاينة وأشياعهم، على سبيل النمذجة، لنتأمل في الادعاء الصهيوني بقدرة إسرائيل على المزاوجة والجمع بين المثل الديمقراطية بطقوسها العابرة للثقافات، وبين الالتزام بكونها دولة يهودية قحة. إن قناعة كهذه لا يتبناها سوى من يعتقدون بإمكانية تربيع الدائرة.
فنحن إن نحينا جانباً فكرة عالمية مبادئ الديمقراطية، واعتقدنا جدلاً أنه يمكن قيام دولة تؤكد أنها يهودية وديمقراطية اسمها إسرائيل، فإن السؤال الذي يستتبع ذلك حتماً، هو كيف يتأتى تطبيق هذا التصور في دولة لا ينتمي خمس مواطنيها لليهود ولا يدينون باليهودية؟! المنطق السوي يقول إن إعلان إسرائيل دولة يهودية، سيعني وجوباً خضوع غير اليهود فيها تحت طائلة التمييز العنصري على أسس دينية وعرقية، بشكل دستوري وقانوني لا مراء فيه. إما هذا وإما على هؤلاء غير اليهود (الجوييم) مغادرة الدولة طوعاً أو كرهاً.
ويسعى الصهاينة إلى خرق النواميس أيضاً، بقولهم «إن على إسرائيل التعجيل بإعلان يهوديتها، حفاظاً على يهود العالم من الاندثار، بفعل التسارع الملحوظ في وتيرة الاندماج في عوالم الآخرين بالزواج المختلط». الفكرة هنا أن وجود دولة إسرائيل اليهودية، واستدعائها ليهود العالم، ولا سيما من المجتمعات العلمانية الغربية، هو الضمانة الأقوى لاستمرار وجود «الشعب اليهودي». وبالنسبة لأصحاب هذه الفكرة، يبدو الزمن وكأنه لا يعمل لصالح ديمومة اليهود، حتى إن البروفيسور سرجيو ديلا فرجولا؛ الذي يقال إنه المختص رقم واحد عالمياً بديموغرافيا اليهود، يرى أنه «إذا استمر معدل الاندماج على ما هو عليه الآن، فسوف تخلو الولايات المتحدة من اليهود واليهودية خلال ثلاثين سنة لا أكثر».
تقديرات هذا الرجل تستدعي إلى الذهن أطروحة الصهاينة المؤسسين؛ التي رأت أن اليهودي الصالح، اليهودي الحق، هو الذي يهاجر إلى إسرائيل ويستوطن فيها. أما أولئك الذين يساندونها عن بعد فليسوا يهوداً أبراراً بالمعنى الصحيح. طبقاً لهذا المنطق، فإن فرجولا وأجداده يثيرون عقدة الشعور بالذنب لدى يهود العالم، ليس فقط تجاه حياة مشروع دولتهم الصهيونية وموتها، وإنما أيضاً تجاه اليهودية ذاتها، ذلك على خلفية أن هجرتهم إلى إسرائيل تعني استمراريتهم كونهم شعباً واستمرارية اليهودية ديانة.

في هذا السياق لا يهتم هؤلاء بتعريف الناس عن الكيفية التي استمر بها اليهود واليهودية على قيد الحياة آلاف السنين، على الرغم من عدم وجود دولة لهم من الأصل؟! ما نفهمه نحن من الربط السخيف بين اليهود واليهودية من جهة وإسرائيل من جهة أخرى، هو فشل الصهاينة في استحثاث الهجرة اليهودية لأجل الحفاظ على استمرارية إسرائيل الدولة، الأمر الذي ساقهم إلى استفزاز ما هو أكثر قدرة على تشجيع الهجرة، وهو أنها سبيل الحفاظ علي وجود الدين اليهودي ذاته.
نحن بصدد دعوة تغفل أن إسرائيل دولة استعمارية استيطانية مصنوعة؛ يرتبط وجودها حيوياً ليس فقط بهجرة اليهود إليها، وإنما يرتهن أيضاً وأساساً بالدعم والمدد الخارجي، الغربي بالذات؛ الذي تشكل الجماعات اليهودية حول العالم أحد أبرز عناصر ديمومته. السؤال هنا، مثلاً، هو ما الذي يبقي لإسرائيل من تأثير على القرار الأميركي الداعم لها بلا حدود خلف أعلى البحار، إذا ما انتهت الهجرة اليهودية الشاملة بإخلاء الولايات المتحدة من اليهود؟ وقس على ذلك بالنسبة للمجتمعات والدول الأخرى.
هذا السؤال ليس افتراضياً بالمرة، فهو يتردد بالفعل في أوساط الأميركيين اليهود، ضمن محاولات التصدي لمقولة إنهم مقصرون في حق إسرائيل لأنهم لم يهاجروا إليها. والظاهر أن الخبثاء الصهاينة داخل إسرائيل راحوا يصعدون الآن ضد مفهوم إسناد الدولة عن بعد، زاعمين أن عدم الهجرة إليها ينطوي على خطر محو اليهودية من الوجود.
هناك إذاً معضلة، قوامها كيفية التوفيق بين دعوى حشر اليهود أجمعين في إسرائيل، وبين الحاجة الملحة استراتيجياً لديمومة وجودهم وانتشارهم في أحشاء الدول الداعمة لها! ومن الآن فصاعداً علينا متابعة الحلول الأفعوانية، التي سيعرضها الحواة الصهاينة، للتعامل مع هذا التناقض.