لقد مرت البشرية عبر تاريخها في حالات عنف رهيبة، أُزهقت فيها أرواح لا تعد. لكن العنف الذي نشهده في شرقنا العربي الآن، لم يشهد له تاريخ ما بعد الحرب العالمية الأولى مثيلاً، طائرات سلطة حاكمة في دمشق، تلقي قنابلها المدمرة على سكانها، وتستدعي طائرات دولة عالمية لتزيد من قتل سكان البلد التي تحكم، وتحاصر المدن والقرى مانعاً أسباب الحياة، داعش تعدم الناس المخالفين لها بكل همجية غير معهودة، الحوثيون اليمنيون يحاصرون أهم مدينة يمنية – تعز.
إرهابيون من إيران والعراق وجنوبي لبنان من كل الأنواع، يشكلون مجموعات قتلة باسم القبور، وآخرون يفجرون أنفسهم في حفلة عرس في غازي عينتاب، وأوروبيون عرب وآسيويون يقتلون الناس في مقاهي فرنسا ونواديها، والحشد الشعبي العراقي يقتل ويهجر أبناء وطنه، والأميركيون يدمرون بلداً، ويعيدونه إلى ما قبل الحضارة، ويقتلون مليون عراقي، مستوطنون يحرقون عائلة فلسطينية وهي نائمة بأمان الله.
ما سر هذا العنف، ما أصله وما فصله؟، لا يمكن لمن كان منحازاً إلى أي صورة من صور العنف هذا، أن يجيب بحق وموضوعية عن هذا السؤال. لا يمكن لعاقل يفكر أن يكون إلى جانب عنف وضد آخر، فالعنف الذي عرضت واحد، ونتائجه واحدة، وعمومية أداته واحدة.
دعوني أقول أولاً، إن عمومية العنف التي نشهدها ليست مرتبطة بأي دين: فلا اليهودية وراء العنف الصهيوني، ولا المسيحية وراء تدمير العراق، ولا الإسلام وراء جرائم داعش وحزب الله وما شابههما من مليشيات، كما أن العنف ليس مرتبطاً بأي قومية، ولا القومية العربية وراء عنف الجماعة الحاكمة لدمشق، ولا القومية الكردية وراء عنف جماعة صالح مسلم. إلخ.
لكن العنف من شأنه أن يزور حقيقته باستخدام أي فكر أو أيديولوجيا أو دين، وقد يحول أي هوية لدى مجموعة محددة من الناس إلى هوية قاتلة.
العنف تعبير عن مصالح ضيقة فاسدة، لا طريق سلمياً سالكاً لتحقيقها، فتعول على العنف لتحقيقها، وتلبسها أهدافاً زائفة لتخفي فسادها.
فحزب الله مثلاً، كحركة إرهابية، يقوم في سوريا الآن بدور عنفي ضد مصالح الشعب السوري، تحقيقاً لمصالح مشتركة مع الجماعة الحاكمة في دمشق ومع إيران، لكن الخطاب الذي يقدمه، خطاب يدعي الدفاع عن مقامات آل البيت التي لم يمسسها سوري على امتداد تاريخها بسوء، بل على العكس، هو الذي حافظ عليها وحولها إلى مزارات تبرك بها.
وبالمقابل، فإن داعش وما شبه ذلك، تدعي بأن عنفها استجابة لنداء الإسلام في استعادة عصر الخلفاء، وهذا تزييف لرغبتها في السيطرة والغنيمة. وحين أسقط في يد النظام السوري، وما عاد بمقدوره مواجهة حناجر الناس، عوّل على استخدام العنف، وصار ما صار. قس على ذلك ما يفعله الحوثيون وما شابه ذلك من شواهد وحالات.
ولا شك أن الدفاع عن النفس ضد هذا العنف، لا يكون إلا بعنف مضاد، وبأشكال من عقلانية البحث عن حلول ناجعة لتحقيق السلم الأهلي. غير أن العنف المضاد ليس عنفاً وراءه مصالح زائفة، لإنهاء حال العنف الزائف والمميت.
والحق أن الدولة المتطابقة مع المجتمع، رغم احتكارها للقوة: الشرطة والجيش والقضاء، لا يمكنها أن تستن طقوس العنف لقتل الناس، مهما كان بعضهم ممن يقعون في حقل الإجرام. لأن الدولة هي قانون شعب، وليس وسيلة تدمير.