في 13 أكتوبر الجاري، صوت مجلس مديري منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو)، لصالح قرار، ينفي تماماً وجود رابط تاريخي أو ديني أو ثقافي لليهود واليهودية بمدينة القدس عموماً، وبالمسجد الأقصى المبارك بخاصة، ويؤكد القرار أن «.. الحرم الشريف مقدس للمسلمين فقط..». ومن اللافت أن صياغة القرار أوردت في صلبها الأسماء العربية لمنطقة الحرم، بينما وضعت المسميات اليهودية المدعاة للمنطقة ذاتها بين أقواس، في تمييز لا تخطئه الذائقة الأدبية والقانونية بين الحقيقة والادعاء.

ضمن ردود الأفعال الصهيونية الإسرائيلية الساخطة على القرار، أصيبت الخارجية الإسرائيلية بلوثة، ساقتها إلى محاولة إثارة فتنة سياسية ودبلوماسية بين العرب والفلسطينيين، فذهبت إلى أن «.. دولاً عربية لا ترتاح للخطوات الفلسطينية في اليونسكو، وتتحدث عن الفلسطينيين بفظاظة، معتبرة أنهم يبالغون ويتطرفون، لكن الدعم العربي للقرار، يعود لأسباب سياسية ومحاذير داخلية، تتصل بتوجهات الرأي العام..». وفي تعقيبات إسرائيلية أخرى قيل إن «هناك محاولة للتشكيك في الترابط بين حائط المبكى وبين الهيكل اليهودي»..

كأن الإسرائيليين يجادلون بعدم الحجية التاريخية والقانونية للقرار، وبأنه مجرد قرار مسيس، ويستند إلى مخاوف شعبوية المصدر. وللسخرية، فإن هذه الدفوع لا تستقيم والحكمة القائلة بأنك إذا كنت كذوباً فكن ذكوراً. لقد فاتهم أن قرار اليونسكو ليس منشئاً ولا هو مؤسس للموقف الفقهي التاريخي القانوني الأممي من زهرة المدائن. فاتهم أن القرار يكاد يكون نسخة أخرى منقحة، لما أعلنته «لجنة التحقيق الدولية حول ملكية الحرم القدسي وحائطه الغربي» قبل ستة وثمانين عاماً. ففي ديسمبر 1930 قررت هذه اللجنة، التي شكلتها عصبة الأمم، أنه «للمسلمين وحدهم تعود ملكية الحائط الغربي، ولهم وحدهم الحق العيني فيه، لكونه جزءاً لا يتجزأ من ساحة الحرم الشريف، التي هي من أملاك الوقف. وللمسلمين وحدهم تعود ملكية الرصيف الكائن أمام الحائط وأمام المحلة المعروفة بحارة المغاربة المقابلة للحائط، لأنه موقوف حسب أحكام الشرع الإسلامي لجهات البر والخير..».

لقد نسي القوم، ولعلهم يتناسون، هذا التكييف، الذي كان خلاصة جهد استغرق زهاء عام بطوله، ولم يدع شاردة ولا واردة في تاريخ بيت المقدس، إلا تحرى أصلها وفصلها تاريخياً وسياسياً ودينياً وعمرانياً.. وإذا كان قرار اليونسكو اليوم مسيساً وشعبوياً، فما القول في موقف عصبة الأمم ولجنتها، التي ضمت فقهاء وحقوقيين لم يكن بينهم أحد من العرب والمسلمين؟!. هذا علاوة على أنها أصدرت حكمها المسبب وفتواها المحققة، في زمن خلا تقريباً من أي نفوذ للعرب أو سطوة للمسلمين ورأيهم العام والخاص على كافة الصعد الدولية، زمن كانت فيه أقطار العالمين العربي والإسلامي بين واهن مستضعف لا يؤبه لوزنه، وبين خاضع للاستعمار وكلمة أقطاب النظام الدولي لمرحلة ما بين الحربين العالميتين.

قبيل صدور قرار اليونسكو بيومين اثنين فقط، كان وزير الحرب الإسرائيلي الأسبق، موشيه آرنس، يتساءل في مقال له بصحيفة هآرتس، عن ملكية الضفة الفلسطينية وضمنها القدس، تحت عنوان «لمن هذه الأرض؟»، ومن تصاريف القدر، أن جاءت الإجابة عن طريق اليونسكو، حارسة التراث التاريخي الحضاري الإنساني، التي وضعت المأثورات الأسطورية الصهيونية عن القدس وحرمها الشريف، بين قوسين.

الحق أنه إذا مددنا خطوط التناظر الصهيوني العربي على استقامتها، وصولاً إلى التساؤل عن ملكية أرض فلسطين بقضها وقضيضها، لصار حرياً بنا وبالحقوقيين العدول، وضع الرواية الصهيونية ومصير إسرائيل برمتها بين أقواس.