السعادة، التسامح، الابتكار والإبداع كلها مصطلحات تحولت من قيم إنسانية مجردة إلى عمل مؤسسي في الإمارات.
وربما يكون آخرها التسامح الذي كثر الحديث عنه وتحول من قيمة إنسانية راقية، تسهم في مد جسور التواصل بين الناس، وتقرب المسافات بين الطوائف والطبقات المختلفة إلى عمل مؤسساتي يعمل على تجسيد تلك القيمة وتحويلها إلى واقع معاش وخاصة بين صفوف الشباب.
وفي الواقع فإن الحكومات ذات الحكم الرشيد، منذ بداية التاريخ قد أولت هذه القيمة أهمية كبرى، وجعلتها في صدارة القيم، التي تعمل على تعزيزها لديمومة العدالة الاجتماعية والمساواة بين البشر.
وفي ما يختص بدولة الإمارات فقد عمدت الدولة منذ إنشائها على تعزيز هذه القيمة وإيلائها أهمية كبيرة سواء على صعيد السياسات الداخلية أو الدولية، فالتسامح هو أساس التعامل الحسن بين الناس، ومفتاح الكثير من الأبواب المغلقة.
ولكن التسامح كونه قيمة لا يعني فقط التسامح الديني على الرغم من أن التسامح ارتبط بالدين وتقبل الآخر المختلف دينياً، فجميع الأديان السماوية أعلت شأن التسامح، وجعلته من القضايا التي تعمل على إشاعتها بين أتباعها، ولكن على الرغم من أهمية التسامح الديني إلا أن أوجه التسامح الأخرى لا تقل أهمية. والملاحظ في عصرنا هذا أن أكثر ما يشيع التفرقة بين البشر ليس فقط فقدان التسامح الديني، ولكن أيضاً فقدان التسامح الفكري والاجتماعي والثقافي. وعلى الرغم من أن التسامح الديني يحتل مراتب متقدمة إلا أن التسامح الفكري والثقافي والاجتماعي لا يقل أهمية عن التسامح الديني، وخاصة بين الشباب.
غياب التسامح الفكري والاجتماعي والثقافي أغرق عالمنا العربي في بحور عميقة من التردي، فكم من مشكلة فكرية تفاقمت، بسبب عدم وجود التسامح الفكري وطرائق التعاطي معها، وكم من قضية ثقافية أصبحت تشق الصفوف، وتسهم في إحداث فجوة كبيرة بين الناس عوضاً عن أن توعيهم، وكم من قضية اجتماعية أثارت النعرات الاجتماعية وفرقت الناس إلى طوائف وأجناس عوضاً عن أن تدلهم إلى حل واحد. إن مثل هذه القضايا الفكرية أو الثقافية أو الاجتماعية، التي يغيب عنها التسامح وقبول الاختلاف والتنوع، ويغلب عليها التعصب سرعان ما تصبح مثار خلاف بين البشر، وبداية مرحلة من الخلافات والحروب، بينما التسامح يمكنه أن يكون بداية لطريق ملؤه الأمل والتعايش السلمي. إن مثل هذه القضايا لا تتطلب إلا إفساح المجال للرأي والرأي الآخر، وقبول التنوع الفكري والاجتماعي واللغوي، وفي هذا كله يلعب التسامح دوراً مهماً.
إنشاء معهد وجائزة دولية للتسامح في دولة الإمارات قضية في غاية الأهمية خاصة وإذا ما أدركنا أن هذا المعهد سوف يعمل على تفعيل الدراسات والبرامج التي تسهم في تفعيل قيمة التسامح بين الشباب العربي إجمالاً. وعلاوة على ذلك تلعب الجائزة دوراً تعريفياً برموز السلام والتقارب في العالم وتقديمهم للشباب كونهم قدوات، فغياب مثل هذه القدوات خاصة بين النشء والشباب يعمل على إفساح الساحة لرموز التعصب والإرهاب وهي آفات ابتلي بها عصرنا.
ويمكن القول إن دولة الإمارات باحتضانها هذه المبادرات تروج لنفسها ليس فقط عبر القيم النبيلة، التي تقوم عليها، ولكن أيضاً عبر تجذير هذه القيم الإيجابية بين النشء والشباب، الذين يحتاجون على الدوام لقدوات إيجابية تعزز فيهم القيم الجميلة.
إن إنشاء معهد للتسامح علاوة على المبادرات التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، بما يختص بالشباب هي أكثر المبادرات، التي يحتاج إليها شبابنا الذين نصب لهم التطرف شباكه محاولاً جذبهم إلى تنفيذ أجندة شيطانية، فكان رد الإمارات عليه بإطلاق هذه المبادرات، التي تهدف إلى انتشال الشباب العربي من وكر الإرهاب والتعصب وإعادتهم إلى طريق السلام والتنمية، التي هي هدف كل الأديان السماوية والفلسفات الاجتماعية، فتعمير الأرض وتنميتها ونشر القيم الإيجابية وزرع الخير والسلام هو الهدف الأسمى لكل الأديان، ولن يكون هناك تنمية وسلام في الأرض ما دام هناك اختلاف وحروب وفرقة ونبذ للآخر.
لقد تميزت مبادرات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بأنها مبادرات إنسانية هادفة تهدف إلى رفاهية الإنسان أينما كان وأياً كان جنسه ولونه ودينه وطائفته، فهي تخرج عن نطاقها المحلي لتنطلق إلى العالمية، وتتوجه نحو الشباب على مختلف توجهاتهم، ليكون الشيخ محمد بن راشد هو «الأب الروحي للشباب العربي».