في السابع والعشرين من سبتمبر المنصرم صرح آشتون كارتر وزير الدفاع الأميركي عند زيارته قاعدة الصواريخ النووية العابرة للقارات في ولاية داكوتا الجنوبية «إن روسيا بقيادة فلاديمير بوتين، تثير في أوجه معينة، قلقاً أكبر مما كان يثيره الاتحاد السوفييتي على صعيد إمكان استخدام السلاح النووي». إلا أنه عاد ليؤكد أن «الاستخدام (اليوم) الأكثر ترجيحاً للسلاح النووي لم يعد يندرج في إطار الحرب الكاملة».

والحقيقة أن هذا التصريح، غير العادي، يأتي بُعيد التداعي السريع في العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة ووصولها إلى مستوى من التردي لم تصله خلال حقبة الحرب الباردة على قاعدة انهيار المحادثات بينهما حول الوضع في مدينة حلب السورية وبدأت روسيا، من جانب واحد، بفرض حلولها بعيداً عن القرارات التي اتخذتها الأمم المتحدة عن طريق تصعيد عسكري غير مسبوق في قصف المدينة لم يتسبب في قلق معظم الدول فحسب بل جلب استنكاراً وصل حدود اعتبارها جرائم حرب.

وبالتزامن مع ذلك أصدر الرئيس بوتين مرسوماً بإيقاف العمل بالاتفاقية الموقعة مع واشنطن عام 2000 والتي تلزم الطرفين بالتخلص من البلوتونيوم كجزء من جهود تقليص القوة النووية، موظفاً بذلك الملف النووي في المفاوضات حول القضايا العالقة مع الناتو.

ما تقوم به روسيا في حلب يعيد إلى الأذهان ما شهده عام 1969 من تصعيد في عنف القصف الجوي لفيتنام الشمالية إبان عهد الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون الذي كان يعتمد استراتيجية أطلق عليها «نظرية الرجل المجنون» ابتدعها مستشاره للأمن القومي هنري كيسنجر.

فقد كتب عن ذلك لاحقاً كبير موظفي البيت الأبيض آنذاك بوب هالدمان بأن «نيكسون كان على قناعة بأن سلطته ستتعزز إذا ظن خصومه أنه قد يستخدم القوة المفرطة، حتى القوة النووية»، فمن المعروف أن شخصية نيكسون التي اتسمت بالقسوة والتقلب تسمح بتسويق استراتيجية كهذه.

في هذا السياق سبق لمجلة نيوزويك أن تطرقت في مايو 2015 قبل دخول القوات الروسية سوريا إلى أنه ليس من المستبعد أن يكون الرئيس الروسي بوتين يتبع النظرية نفسها التي أميط اللثام عنها في ديسمبر عام 2003 عند رفع الحظر عن الوثائق السرية في أرشيفات الأمن القومي الأميركي.

من حسنات قادة حقبة الحرب الباردة أنهم كانوا على درجة عالية من المسؤولية حيث مارسوا أقصى درجات ضبط النفس والابتعاد عن التهور وجنبوا العالم وقوع كارثة حرب نووية رغم اندلاع بؤر خطيرة أبرزها أزمة الصواريخ الكوبية التي كان من الممكن أن تكون سبباً في اندلاع حرب نووية.

مجيء الرئيس بوتين لسدة الحكم عام 2000 كان بداية حقبة جديدة في سياسة روسيا الخارجية شكلت قطيعة مع سياسة سلفه بوريس يلتسين التي استندت على تمتين علاقاته مع الغرب، وذلك لتباين الرؤى بين الاثنين.

فالرئيس بوتين مقتنع بأن العلاقات مع الغرب لم تكن سوى علاقة تبعية لم تعتدها روسيا سابقاً سواء في العصر الإمبراطوري أو العصر السوفييتي الذي أعقبه ولا يمكن لها أن تستمر. كما أن هذا التحول لم يكن بمعزل عن الضغوطات الداخلية من جهات ذات مصالح في القطيعة مع الغرب والتي تحن بقوة إلى حقبة المجد السوفييتي مثل المخابرات الروسية والمؤسسة العسكرية.

أعادت روسيا وفق الرؤى الجديدة الاهتمام بمؤسستها العسكرية إلى حد بعيد بمضاعفة الإنفاق، مستفيدة من ارتفاع أسعار النفط على مدى سنوات طويلة لتقليص حجم الفجوة بينها وبين الولايات المتحدة التي اتسعت بعد سقوط الاتحاد السوفييتي تمهيداً لدخول قوي إلى الساحة الدولية.

ففي خطابه الأخير الذي غلبت عليه نبرة التحدي في الخامس من أكتوبر الجاري أمام مجلس الدوما الجديد شدد الرئيس بوتين على أن قدر روسيا أن تكون دولة قوية «علينا أن نتوحد وننسق جهودنا وحقوقنا وواجباتنا لإنجاز الحق الأعلى التأريخي لروسيا في أن تكون بلداً قوياً».

فهو يرفض بشدة الطروحات الأميركية التي تعتبر روسيا مجرد قوة إقليمية في شرق أوروبا وفي منطقة القطب الشمالي يحاصرها الناتو من جميع الاتجاهات.

روسيا بأمس الحاجة لتخفيف الضغوط التي تمارس عليها من قبل الناتو في الجوار المباشر لها في أوكرانيا وفي دول البلطيق عن طريق تسليط ضغوط مقابلة في مناطق لها أهمية استراتيجية للإدارة الأميركية.

من هذا المنظور تطمح موسكو أن تعود لتلعب دوراً سياسياً بارزاً على المستوى الدولي خاصة في منطقة الشرق الأوسط انطلاقاً من قناعتها بعدم ملاءمة النموذج الغربي للديمقراطية للتعامل مع الصراعات القائمة فيها.

سوريا هي المكان الأفضل للاقتحام والاستحواذ على جميع أوراق أزمتها في ظل تردد وضعف وتخبط الإدارة الأميركية ووصولها إلى حالة العجز التام في التعامل مع الأزمة السورية مع قرب رحيلها.

إلا أن من المستبعد جداً أن يتحول «وهم» القوة العظمى الذي لم يغادر ذهن الرئيس بوتين إلى «واقع» في ضوء ميل معادلات التوازن الاستراتيجي بقوة لصالح الولايات المتحدة اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً ودبلوماسياً، فالأزمة السورية لمَا تنتهي بعد لصالح موسكو بالفيتو الذي أجهضت به المشروع الفرنسي - الإسباني لمعالجة الوضع الإنساني في مدينة حلب. موسكو تتحدى الغرب وتحقق فعلاً نجاحاً إلا أنه في أحسن الحالات نجاح على الأمد القصير لمغامرة محسوبة النتائج في مكان محدود لتتجه، على الأمد البعيد، نحو عزلة دولية.