شاهدت مؤخراً مقابلة مع السيد «كيم» مدير شركة LG الكورية العالمية، والذي قضى ست سنوات بمقر الشركة في دبي، حيث تم توجيه سؤالٍ إليه مفاده: لماذا لا توجد شركات عربية عالمية؟، فكانت إجابته: «لأنهم (قاصداً العرب) لا يثقون ببعضهم بعضاً، فمثلاً، إن كانت شركة مملوكة لعائلة معينة، فإن المسؤولية تعطى بأقصى حد إلى ابن العم، أو ابن ابن العم، وبالدرجة الأولى ستمنح للابن»، وبالرغم من أن إجابته صادمة وجارحة، إلا أنها واقعية، وعلينا أن نمعن النظر بأزمة الثقة التي تعانيها بلداننا وشعوبنا العربية.

وهنا، يجب أن نتساءل، هل نحن لا نثق بالآخرين، أم أننا لا نثق بأنفسنا؟!، فإن كانت المشكلة بثقتنا بالآخرين، فهنا تكمن المصيبة، أما إن كنا لا نثق بأنفسنا، فهذه الكارثة بأم عينها، فمن الطبيعي أن نجد في حياتنا من يستحقون الثقة، لكن ليس من الطبيعي أن نعتبر ألا أحد يستحقها، ونتعامل مع غيرنا على هذا الأساس، سواء في حياتنا الشخصية أو العملية، ولو تصارحنا مع أنفسنا، لوجدنا أننا نخاف من منح الثقة للآخرين، ربما لأننا تعلمنا من تجاربنا السابقة، فعممنا تجربتنا الشخصية على الجميع.

تُصادفني مواقف كثيرة عن عدم ثقة بعض الجنسيات لجنسيات معينة، بصرف النظر عن أخلاق الشخوص، فتجد أن المدير غالباً ما يختار الموظفين من نفس جنسيته، وعندما تحاور أي شخص، ستجد أنه يميل إلى ابن بلده دون الآخرين.. وهكذا، إذاً أزمة الثقة مرتبطة إما بالعلاقات الأسرية، أو بالحدود الجغرافية، وهذا ما يحول بيننا وبين التوسع التجاري، وإيجاد شركات عربية عملاقة.

كثيراً ما يُحدِّث المواطن العربي نفسه عن ذاك الحلم الكبير الذي يكمن بالوصول إلى السلطة، فيقول: «لو وضعوني مكان فلان لفعلت الويل، ولو وضعوني رئيساً للحكومة لفعلت وفعلت»، كل هذا بسبب عدم ثقتنا بأن الآخرين على قدر من الفهم والوعي، وحقيقة الأمر، لو وضعوا هذا الحالم في منصبٍ ما، لوقف ساكناً دون حراك، لأن الواقع مغاير، والظروف ليست كما نراها، لكنها أيضاً أزمة ثقة بأن من يدير مصالحنا ومن يتسلم مناصبنا ليسوا أكفاء للقيام بهذه المهام، لهذا نجد بعض الدوائر والمؤسسات قد تفشت بها الواسطة والمحسوبية، وذلك لأننا تعودنا ألا نثق إلا بمن هو قريب منا.

إن المسؤولية التي تقع على عاتق أي مسؤول، هي حمل كبير على الكاهل، ولا يستطيع أي شخص تحمل أعبائه، وعلى الرغم من هذا، إلا أننا، ومن داخلنا، على يقين أنه لا يوجد أحد يمتلك قدراتنا وقدرات عقولنا، وبأننا أفضل مَن يتصرف في المواقف، وأمهر من يدير الأمور على أكمل وجه، وهذا لا يعدُّ ثقة بالنفس، إنما هو تجاهل وإلغاء للآخر، ومن هنا، يمكننا التنبؤ بأن مستقبلنا من دون ثقة، كالح كالظلام، لأنها نور وبصيرة في عيون الآخرين.

فعلى الرغم من أن ديننا الحنيف حث على وجوب المشاركة بين الناس في اتخاذ القرار، بقوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ}، وهذا يؤكد مبدأ احترام عقول الآخرين والأخذ بآرائهم، واحترام أطروحاتهم، إلا أننا لا نؤمن إلا بقدرات أنفسنا، وبأننا أصحاب الرأي السديد، وأيضاً ورد في سيرة رسولنا عَنْ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ‏: ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏قَالَ ‏: «إِذَا خَرَجَ ثَلَاثَةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ»، وهذا وإن دل، فإنه يدل عن وجوب ثقتنا ببعضنا بعضاً لاختيار من يكون أميرنا ومن يمثلنا ويدير شؤوننا في جميع الأحوال، وليس فقط في السفر، ومن دون الثقة، لن يكون باستطاعتنا المضي في وصية رسولنا الكريم، التي توجد حلاً عملياً للكثير من الصراعات، فالعالم العربي لا يدرك معنى وجوهر الثقة، ولو أننا وثقنا بأنفسنا أولاً، لكانت ثقتنا بالآخرين أكبر وأفضل، ولاستطعنا أن نختار من يساعدنا ويساندنا في سلطتنا بصدر رحب، وفي النهاية، جميعنا نطمح إلى حياة كريمة، لكن اعتقادنا بأننا وحدنا الأقدر على توفيرها، هو السبب الحائل بيننا وبين تحقيقها.

إن الثقة أمر مهم، وسيحل الكثير من مشكلاتنا المتأزمة، بداية من الصراع على السلطة، ونهاية باحترام الآخرين والتعايش معهم، وإن أردنا أن ننشد هذا في مجتمعاتنا، فعلينا أولاً أن نلغي مبادئ الغابة التي نربي عليها أولادنا، وأن نعمق مبدأ «كل الناس خير وبركة»، أي بمعنى أنهم كلهم لديهم النية الطيبة، وبأنهم قادرون على تسلم بعض مسؤولياتنا، وهذا يتطلب في المقابل احترام هذه الثقة الممنوحة.

سيد «كيم»، إذا وصلتك مقالتي، فعليك أن تمعن النظر أنت أيضاً، وتعلم بأن دولتنا، دولة الإمارات، ما وصلت إلى ما هي عليه اليوم، إلا لأن قياداتنا وثقت ببعضها بضعاً، فاتحادنا قائم على الثقة، وعلى مبدأ تقسيم المسؤوليات والأدوار، وها هي قيادتنا تثق اليوم بشبابها، فتسلمهم الدفة لبناء المستقبل، ونحن على ثقة بأنهم يستحقونها، وسيكونون قادرين على تحمل مسؤوليتها من أجل الإمارات.

نحن فعلاً نحتاج إلى روابط تجمعنا، ولن تأتي الروابط إلا إذا أوجدنا الثقة بأنفسنا وبالآخرين، فصراعاتنا أصلها وأساسها، ظن جميع الأطراف بأنهم الأقدر والأحق بتولي زمام الأمور، فينشب عن ذلك الخلاف، ويحدث الصراع، ولو وثق كل طرف بقدرات الآخر، لتساعدنا وخرجنا بواقع أفضل وأسلم.