أدانت وزارة التربية والتعليم الفلسطينية استخدام إحدى المدارس الخاصة في بعض الدول العربية كتباً تسيء إلى الفلسطينيين، وتشكك في عدالة قضيتهم وتصفهم بالإرهابيين. وردفت الوزارة أسفها لهذه الخطيئة بمطالبة وزارات التربية في الدول المعنية بسحب هذه الكتب، ومحاسبة المسؤولين عن اعتمادها.
حسناً فعل المسؤولون الفلسطينيون، إذ نوهوا بهذه الواقعة، ويحسنون أكثر إلى الرواية العربية الفلسطينية للصراع على أرض فلسطين ومحيطها، عندما يداومون على متابعة ما يتلقاه الناشئة واليافعين في هذه النوعية من المؤسسات، التي راحت توشي خريطة التربية والتعليم في العالم العربي.
ولسنا بحاجة للتذكير بأن كتابة مناهج ومساقات دراسات العلوم الاجتماعية المقررة على مراحل التعليم قبل الجامعي واعتمادها، من المسائل التي ينبغي أن تخضع لمعايير بالغة الدقة والحساسية، فقد لا يخلو المستأمنون على بناء المعرفة والوعي بقضايانا الفارقة والمصيرية في عقول فلذات الأكباد في أوائل أطوار تفتحهم على الدنيا من الهواة السطحيين أو ضعاف النفوس الملتزمين بمواقف عدائية أو كراهيات مسبقة. وليس بعد ذلك سوى إصابة الرواية العربية والفلسطينية للصراع بجروح غائرة غير قابلة للمداواة، على اعتبار أن التعليم في الصغر كالنقش في الحجر.
تقديرنا أن الرواية المغشوشة للقضية الفلسطينية، تنطوي على أخطار لا تمس الفلسطينيين خاصة، وإنما ستتطرق بسلبياتها إلى كل الشعوب العربية والقوى المعنية بإشاعة الحق والعدل. إنها موضوعة تتعلق بالوعي والتكييف الصحيح من عدمه لما يدور في منطقة، هي في موضع القلب من الأمة العربية، وتتصل بمصالح مادية ومعنوية روحية لأقوام كثيرة في طول العالم وعرضه. وإذا ما جرى تزييف هذا الوعي، تصدعت أهم حوائط الصد والمقاومة في وجه الغزوة الصهيونية الإسرائيلية؛ التي لا تعد فلسطين سوى نقطة إشعاعاتها المسمومة في كل الاتجاهات.
ما يدعو للأسى أن الغضبة الراهنة إزاء التقصير في المعالجة التعليمية للقضية الفلسطينية ليست الأولى من نوعها، وإن كنا نأمل أن تكون الأخيرة، ففي عام 1970، مثلاً، نشر العلامة أنيس صايغ محرر الموسوعة الفلسطينية لاحقاً، كتاباً عن «الجهل بقضية فلسطين»؛ برهن فيه على ضحالة معرفة الجامعيين العرب، ناهيك عن صغار التلاميذ في المراحل التربوية الأدنى بهذه القضية. منذ ذلك الحين وما قبله والدعوة تتردد، بين يدي المهمومين بقضية العرب المركزية، إلى إدراجها وفق منهجية علمية سليمة في صلب المساقات التعليمية لكل المراحل الدراسية.

للإنصاف، كان معهد البحوث العربية في القاهرة التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (أليكسو)، سباقاً في التجاوب مع هذا النداء، غير أن هذا المعهد يعالج القضية لدى شريحة أكاديمية محدودة من باحثي الدراسات العليا، وهو بالمناسبة يواجه حاليا محنة إدارية ومالية تهدد كينونته من الأصل.
أيضاً، شهد الصعود المدوي للحركة الوطنية الفلسطينية بعد حرب يونيو 1967، توسعاً ملحوظاً في التعريف العلمي بطبيعة الصراع الصهيوني- العربي والقضية الفلسطينية، عبر جهود مراكز للدراسات، بعضها تأسس خصيصاً لهذا الغرض، وبعضها أفرد ضمن شواغله الأوسع مكاناً لفلسطين وقضيتها.
لكننا لا نتحدث هنا عن الطابع النخبوي الضيق الذي يحف بهذه المساهمات، وإنما يعنينا أن ينساب الاهتمام بالرواية العربية الفلسطينية إلى المناهج الدراسية في مراحل التعليم الأولى. وليس في هذا الرجاء ما يثير حفيظة أحد أو تحفظه، كما أنه لا يستبطن أو يضمر حتى الانحياز إلى هذه الرواية. إن إيراد الحقائق المتعلقة بما جرى ويجري في فلسطين وأرومتها القومية وجوارها الإقليمي منذ مئة عام وزيادة، وما يتصل بذلك من صحيح التاريخ والقانون الدولي وقرارات المنظمات الساهرة على تطبيقه، يكفي للتعريف بظلامة الضحية الفلسطينية، وتعرية الجلاد الاستعماري الصهيوني الإسرائيلي، وإسقاط روايته المغشوشة.
إهمال التعرض للقضية الفلسطينية أو تجاهلها في المناهج الدراسية عموماً، قد يؤدي إلى الجهل بها وإفساح المجال الفكري أمام تسلل الروايات الأخرى المخالفة. ولعل الأشد خطراً من ذلك، هو إدراج القضية في هذه المناهج، ولكن برؤية مستقاة من هذه الروايات الأخرى، الأمر الذي يفضي إلى التجهيل والتضليل بها مع سبق الإصرار.