لم يبق حجر على حجر، حلب لم تعد حلب، لا حياة لا حب لا ماء لا سماء زرقاء، كل ما فيها أحمر، الدم سيد المشهد، الدمار في كل مكان، والنار تحرق الأخضر واليابس والحجر. حلب اليوم ليست القلعة ولا الكبّة والمشاوي الحلبية، ولا منتزه السبيل والياسمين، الذي يتعرش على حيطان البيوت العتيقة، حلب اليوم ساحة قتال دولية، وقد يقول التاريخ يوماً: «وقد اندلعت شرارة الحرب العالمية الثالثة من حلب».
ألم يهدد الروس الأميركان بزلزال مدمر يهز المنطقة ؟ ألم تجمع أميركا دول حلف الناتو، لبحث الوضع الخطر في سوريا وتحديداً حلب؟ ثم ألم يعرب وزير الخارجية الأميركي جون كيري في الشريط المسرّب الذي تم تداوله في الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي عن امتعاضه من موقف رئيسه باراك أوباما المتردد حيال استخدام القوة في سوريا، ما شجع الروس على الدفع بكل قوة وصلت إلى حد الوحشية في معركة حلب؟
لم نعد ندري هل القوتان العظميان، أميركا وروسيا، متفقتان على ما يجري في حلب أم أن روسيا أخلت بالاتفاق.. إن وجد؟ أم أنه فعلاً صراع نفوذ بين الغرب والشرق على الشرق الأوسط المريض؟
وباعتبار أنه لم يعد لنا كوننا عرباً لاحول ولا قوة ولا رأي، فإن ما يهمنا في حلب أهلها وقلعتها، التي تحفظ التاريخ حجراً حجراً، فعندما كنت أدرس في جامعة دمشق كنا نقوم برحلات إلى حماة نتمتع بنواعيرها وحضارة الري التي أبدع فيها العرب القدامى، وإلى حلب نقف بخشوع أمام بوابة القلعة ثم ندخل على أطراف ذهولنا لهذا البناء العظيم والتاريخ الشاهق.
تتميز القلعة بضخامتها وتعد من أكبر القلاع في العالم. يعود تاريخها إلى عصور قديمة، وتتربع على تلة في وسط المدينة، الصعود للقلعة المهيبة، يتم بواسطة درج أو مدرج ضخم، يمر عبر بوابة مرتفعة في الوسط ومقام على قناطر تتدرج في الارتفاع حتى البوابة الرئيسة.
بُنيت فوق تلة (أكروبول) نصفها اصطناعي لرفعها عن مستوى المدينة، وتحتضن كثيراً من آثار العهود التي مرّت بها، منذ أن كانت حلب مملكة عمورية قبل الغزو الحثي في القرن 16ق.م.
معظم أبنية القلعة مع أغلب المساجد والمدارس بُنيت في عهد الظاهر غازي. وتُعتبر القلعة مثالاً للهندسة العسكرية العربية. تُشبه الفنجان داخل صحنه، كما كتبت الكاتبة والرحالة الأثرية جرترود بل، الفنجان هو القلعة والصحن هو مدينة حلب. وهي من أكبر قلاع العالم وأقدمها وأحصنها، لا يعرف تاريخ بنائها لقدمها. ولم تُفتح أبداً بالقوة، بل بالحيلة والخداع.
أما أهل حلب الذين لم يعد بواكي لهم، بل عليهم فتكفي المشاهد المروعة، التي تنقلها الفضائيات بألم وحسرة تحاول هذه الأم السورية إيقاظ طفلها حسن البالغ من العمر 12 عاماً، لكن دون جدوى مات حسن !
ووسط حالة من الحزن والصدمة تصرخ الأم التي لا تبدو وحيدة في مأساتها، فأكثر من مئة طفل قتلوا في حلب هذا الشهر وحده، بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، فهذا طفل يحاول عمال الإنقاذ إخراجه من بين ركام مبنى قصفته الطائرات فيعلق بين قضبان الحديد وقسوة الإسمنت، وذاك يعلو غبار الموت وجهه، فتختلط دموعه بالطين وآخر يتشبث مرعوباً بكتف المنقذ الذي يحتاج هو الآخر لمن ينقذه من قنبلة أو من برميل متفجر قد يسقط على المكان في أية لحظة.
تقول هناء سنجر، ممثلة اليونيسيف في سوريا: «الأطفال والعائلات في حلب يواجهون وضعاً خطراً، فانقطاع (المياه والكهرباء) يأتي وسط موجة حر شديد، وهو ما يجعل الأطفال يواجهون احتمال الإصابة بأمراض تنقلها المياه. حياة الأطفال في خطر حقيقي».
من مات مات ومن لم يمت فإنه معرض للموت جوعاً أو عطشاً أو مرضاً. الأطفال يواجهون «خطراً فادحاً» إذا لم يتم إصلاح شبكات المياه فوراً، بحسب منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف). وطالبت المنظمة الدولية بوقف فوري للقتال بالمدينة، من أجل السماح بإصلاح شبكات المياه والكهرباء، وأشارت إلى أن المدينة ظلت دون مياه لأربعة أيام.
الرصاصة تعرف الضحية، لكن القاتل هو الأعمى، أعمى القلب والبصيرة والإنسانية!