الإيجابية ليست كلمة مطاطة، كما يعتقد البعض، بل مفهوم اشتق من علم النفس فسمي «علم النفس الإيجابي» لأنه جاء «كتوجه مضاد لتركيز علم النفس على الاضطرابات النفسية..» وفق ما ذكر د. محمد السعيد أبو حلاوة في كتابه «علم النفس الإيجابي».
وهذا يعني أن علم النفس لم يعد مقتصراً على دراسة سلوكيات سلبية كالاكتئاب والقلق والغضب.. وغيرها، حيث تفرع عن هذا التخصص «علم النفس الإيجابي» الذي يسهم في معرفة كيفية دراسة السلوك الإيجابي وتعزيزه لتصبح حياة الفرد أكثر سعادة وأقرب إلى اكتشاف مواطن القوة فيه.
علم النفس الإيجابي، الذي نشأ حديثاً في العالم الغربي، نحن أولى به كأمة لحاجتنا الماسة إليه في ظل سوداوية المشهد السياسي من حولنا، وفي ظل ممارسات سوء الظن التي تعمي أبصارنا عن رؤية كل جميل وبريء من تصرفات من حولنا.
وقد فعل بِنَا خيراً البروفيسور مارتن سيليغمان مدير مركز علم النفس الإيجابي في جامعة بنسلفانيا الأميركية بإطلاقه (Positive Psychology) عام 1998، حيث أصبح علمه أحد التخصصات النشطة؛ إذ ازداد الإقبال على مؤتمراته العلمية التي يرتادها أشهر الباحثين في العالم في هذا المجال.
وتكمن أهمية علم النفس الإيجابي في أن الكلام الإيجابي الذي كان ولا يزال ينادي به المصلحون ودعاة الخير في العالم قد صار له أساس علمي، ونشط فيه آلاف الباحثين لمعرفة كيف يمكن توجيه انفعالات الفرد نحو السلوك الأفضل له ولمجتمعه.
وصار علم النفس، مثل غيره من العلوم، يدخل في تخصصات كثيرة، بغية التوصل إلى أفضل النتائج.. فمثلاً، أصبحت نظريات اتخاذ القرار تتحكم بها عوامل نفسية تتطلب الخوض في أعماقها لمعرفة لماذا يتصرف الإنسان السوي أو الخبير في مجاله بهذه الطريقة الانفعالية غير المبررة.
وما يسر حقيقة أن الإنترنت وفيديوهاته صار يعج بكميات هائلة من الدراسات العلمية والمحاضرات، وملخصات الكتب الممتعة في هذا المجال، أحدها الكتاب الشهير لعالم النفس الأميركي دانييل غولمان «الذكاء العاطفي» أو ما يسمى أحياناً «الانفعالي» أو «الوجداني».. ناهيك عن دراسات كثيرة لأحد أعلام هذا العلم البروفيسور سيليغمان. ومما يشير إليه سيليغمان دوماً إمكانية قياس الانفعالات، وهناك بالفعل موقع شهير يقيس عنصر السعادة لدى الإنسان: authentichappiness.org.
ليس هذا فحسب، بل حتى التشاؤم والتفاؤل صار لهما معيار يمكن قياسهما به، وهما يؤثران بقوة على أدائنا.. ففي دراسة لسيليغمان تبين أن تشاؤم فئة من الموظفين في مؤسسة تجارية قد دفع نسبة أكبر منهم (مقارنة بالمتفائلين) إلى ترك العمل، بل وقلل التشاؤم معدل مبيعات هؤلاء مقارنة بالمتفائلين.
الباحث سأل أيضاً مجموعة من أكثر الناس سعادة، عبر بحث علمي، عن أسباب سعادتهم، فوجد أنهم ليسوا الأكثر وجاهة أو جمالاً أو مالاً، وإنما هم الأكثر انغماساً في الحياة الاجتماعية، أي الاجتماعيين لا الانطوائيين أياً كانت أسباب انطوائيتهم.
هذه العلوم العصرية التي تضع يدها مواضع الخلل في تفكيرنا وسلوكياتنا لابد أن تحظى بدعم سخي جداً من الجامعات العربية، وكبريات الجهات الممولة، لتساعدنا على فهم أنفسنا جيداً. فكم نحن بحاجة لعلم النفس الإيجابي في ظل تجهم مانشيتات الصحف ووسائل التلفزة حتى صرنا نتجرع، لا شعورياً، بسببها جرعات من الكآبة بدلاً من نفحات التفاؤل والأمل التي تعد وقود المنتجين في كل مكان.