لنتخيل معاً ماذا سيحدث لو تأخرت سيارة الإسعاف؟ هل سينتظر المريض لحين قدومها أم سيفارق الحياة؟ وإن كان سينتظر فإما أن تكون حالته الصحية ليست بالغة الخطورة، وإما أن لديه عزيمة قوية ستمكنه من البقاء، وإذا فارق الحياة فمن سيقر بمفارقته سوى الطبيب، فلهذا سنبقى ننتظر سيارة الإسعاف، لتؤكد لنا خبر الوفاة أو النجاة، وهذا ينطبق تماماً على كيفية تفكير عقولنا، فهي دائماً منتظرة لأي شيء سواء أكان سينجيها أم سيدمرها.
البلاد العربية تعاني أزمة التفتت، وصراعاً من أجل البقاء أو الموت، ومواجهة بين الماضي والحاضر، والمستقبلُ منسيّ ومتروك، وكل يوم ننام ونصحو ننتظر خبراً لهدنة أو قراراً أممياً لوقف إطلاق النار، تماماً كمن ينتظر سيارة الإسعاف المتأخرة، وحتى على المستوى الشخصي فعندما نواجه أي مشكلة، فجميعنا ينتظر المنقذ سواء أكان شخصاً أم دولة، ولا ننظر إلى أنفسنا ونعتبر أن كل شخص منا هو المنقذ لنفسه، كيف؟ بتغييره نمط التفكير الاتكالي والقائم على الفرصة أو المنحة أو الهدية، وهذا يحتاج إلى إعادة تربية نفوسنا من جديد على روح التحدي، التحدي بالتجربة، وإعادة الكرَّة، وليس بالبحث الدائم عن الفرصة الجاهزة، أو ضربة الحظ السانحة، وهذا وإن دل فإنما يدل على أنه لا يوجد لدينا إمكانية أو ثقة بأنفسنا لدرجة اليقين بأننا قادرون على تخطي المعضلة، فدائماً ما تنقاد عقولنا إلى البحث عن الخلاص، وليس الحل بحد ذاته، المهم أن تنتهي الحالة بصرف النظر عن تبعياتها ونتائجها.
هذا الفكر أوجد لنا فكراً اتكالياً، ولا أبالغ إن قلت إننا اتكاليون في جانب معين في حياتنا، حتى في معرفة قدراتنا وإمكاناتنا، وهذه مشكلة حقيقية ألا نكون قادرين على معرفة ذواتنا وما يميزنا، بل ننتظر أيضاً الساحر أو الدجال، ليعرفنا بأنفسنا، أو محللاً للشخصيات، ليكتشف قدراتنا، أو مكتشفاً للمواهب ليتعرف إلى موهبتنا، ولا أتحدث عن الصغار والأطفال، إنما أتحدث عن الكبار، الذين من المفترض أن عندهم القدرة على التعرف إلى أنفسهم على أقل تقدير.
كثيراً ما نتوجه لجوجل أو غيره للبحث عن: «مقومات وأسرار النجاح، الشخصية المثالية»، ومن هذا الذي سيخبرنا بهذه الأسرار الخطرة، وإن علمتها وتعلمتها فهل ستحقق النجاح؟ وهل ستغير من نفسك لكي تسير على خطى من نجحوا بحياتهم؟ وإن حاولت ومضيت بخطوات مماثلة، فهل ستحقق مبتغاك؟! بالطبع لا، لأن النجاح ليس سراً، ولا هو صنع ساحر، إنما هو اكتشاف جديد أنت تصنعه، بدايته التعرف إلى قدراتك، ومن ثم تحليل البيئة المحيطة، وتسخيرها لتحقيق النجاح.
وعجيب أمر الإنسان، فدائماً ما يحاول أن يسلم نفسه للفرضيات، من الأبراج، وتحليل الشخصية إلى تفاسير الأحلام، ثم إلى قانون الجذب والطاقة الكونية، فرضيات صنعناها بأنفسنا حتى اقتنعنا أنها مسلمات لحياتنا «كذبنا الكذبة وصدقناها»، والغريب أننا نبذل قصارى جهدنا لاكتشاف المجهول في مستقبلنا بداية من قراءة الفنجان، وصولاً إلى السحر والشعوذة، والأغرب من هذا أننا بحاجة إلى من يقرأ أفكارنا، ويحلل شخصياتنا لهذا نحن بأنفسنا جاهلون.
والأفضل بدلاً من انتظار سيارة الإسعاف أو الساحر ليخبرنا بكل شيء فعلينا أن نوجد حقيبة إسعافات أولية في عقولنا، وحينها سيكون بمقدورنا أن نُخرج بعض أدوات الإسعافات لنقاوم ونبقي على مستقبلنا، وهذا تماماً ما يجب أن نؤسس له في أجيال المستقبل، أن نوجد طرقاً مغايرة لزراعة الثقة بأنفسهم لإيجاد الحلول للأزمات، وتعليمهم كيف يؤسسون نظريات لحياتهم، ونزرع فيهم حب مجاراة الصعاب، والاعتماد على النفس في كل شيء، بداية من معرفة القدرات مروراً بكيفية تطويرها، ووصولاً إلى كيفية حل المعضلات.
وبالمختصر المفيد إذا أردت أن تكتشف المستقبل فخطط له جيداً، فلا تنتظر مصيراً محتوماً كتب عليك، أو تعش حياة مماثلة لغيرك، فبهذا ستبقى مستسلماً لسيارة الإسعاف، بل ابنِ نفسك وسلحها بمقومات النجاح (العلم، المعرفة)، فهي طاقة الجذب التي تجذب لك النجاح، وإذا أردت أن تحلل شخصيتك فالأمر بسيط جداً، اجلس مع نفسك وصارحها بحقيقتك، لا تختلق الأعذار فتخدع نفسك، تحدث مع ذاتك، لتكتشف روعتك، وإن لم تستطع حلل تصرفاتك مع الآخرين، حينها ستعرف ما يميزك وما ينقصك، ولا تستسلم لموضة الدراسات والمؤلفات فأنت مؤلف لحياتك، وكاتب للحظاتك، وعالم لذاتك، وباحث عن راحتك، والجاذب لمن حولك، فاسترح من عناء الاستسلام، واستمتع بلذة المشوار إلى النجاح.
شعوبنا العربية لا تكل ولا تمل، ولديها طاقة كبيرة من القدرة على الصبر والتحمل، ولكن هذا يحتاج إلى أن نوجه هذه الطاقة من السواعد إلى العقول، يجب على عقولنا ألا تكلَّ، وعلى نفوسنا وذواتنا ألا تمل، فنحن قادرون على البناء، ونحتاج فقط أن نربي أنفسنا من جديد، ونصارح أنفسنا بأننا قادرون، ولا نحتاج إلى من يفهمنا، ما يجب علينا أن نفعله، بل أن نصنع قصصاً مغايرة، ومهما بحثنا عن أسباب النجاح فلنعلم أن لكل شخص سره الخاص، للوصول إلى الهدف، فلنبحث عنه جيداً.
لننس رقم الطوارئ ولا نعاود طلب سيارة إسعاف جديدة، بل اطلب سيارة لطموحك، فستأخذك إلى حيث تريد، وادفع أجرتها من تعبك ودراستك، ولا تنس أن تزودها بالوقود من صبرك وقدرة تحملك، ولكي ترى جيداً حافظ على نظافة نواياك، ولا تستسلم فستقف حينها على حافة الطريق لتنتظر من ينقلك، بل حاول مراراً وتكراراً لكن كل مرة بطريقة جيدة، وبفكر جديد، هذا أحد أسرار النجاح الذي تعلمته، لا تأخذه مني، بل اصنع لنفسك سراً جديداً، واكتشف فعاليته بنفسك، فحينها ستعلم أن لذة النجاح بالمشوار، وليس لحظة الوصول.