أثناء محاورة قريبة العهد، تتعلق بالحملة الإسرائيلية المسعورة الجارية للتعجيل بتهويد ما تبقى من معالم عربية في القدس، ذكر أحد كبار المسؤولين في الجامعة العربية، أن «.. مجمل ما تم الالتزام به من قرار القمة العربية في سرت عام 2010، لدعم عروبة القدس بمبلغ 500 مليون دولار، هو 35 مليوناً فقط..».

قد يقال إن النصال التي تكسرت على النصال في خلال سنوات «الربيع العربي»، شغلت العرب عن التصدي لورشة الهدم والبناء التي يضطلع بها الإسرائيليون، رسمياً وشعبياً، لتهويد أولى القبلتين وثالث الحرمين.. فتخصيص زهاء ستة ملايين دولار سنوياً لمواجهة هذه الورشة، لا يمكن أن تعبر عن حقيقة الأشواق والحنين والنخوة العربية لصيانة عروبة زهرة المدائن وتحريرها.

لكن البؤس الذي تعيشه المدينة، وتمزق المرابطين فيها وفي أكنافها بين قلة الأرزاق وضعف الحيلة والعجز الاقتصادي والمالي والخضوع لسلطة احتلال استيطاني لا تراعي فيهم إلاً ولا ذمة، وبين الإغراءات والضغوط التي تمارس عليهم لتليين المواقف والتخلي عن عقلية المقاومة والرباط إلى سعة العيش في أي مكان آخر، هذا البؤس ليس وليد زمن الربيع أو الفوضى الدامية الأخيرة.

المشهد القائم الآن من عدم التوازن واختلال الموازين المالية لصالح سياسة التهويد، هو صورة مكثفة وعالية التركيز لما اعتمل في معركة القدس لعشرات السنين.

وعموماً، لم يسبق للجانب الصهيوني، قبل قيام إسرائيل وبعده، أن عانى من الشح الاقتصادي المالي في هذه المعركة. فالموارد التي خصصها الصهاينة، من اليهود وغير اليهود، ظلت دوماً أكبر وأكثر بكثير من تلك التي أتيحت للجانب العربي الفلسطيني. ينبغي الاعتراف بأن رعاة المشروع الصهيوني أجادوا إدارة هذا الخلل، وسعوا إلى تعميقه وتأبيده.

من تجليات هذه الحقيقة، مثلاً، أنه في مقابل الخمسة والثلاثين مليون دولار، التي أفلح العرب بشق الأنفس في توظيفها للحفاظ على عروبة القدس منذ قمة سرت، تمكن «صندوق أورشاليم»، وهو مؤسسة صهيونية تأسست عام 1966، من توفير أكثر من 1.25 مليار دولار لتهويد المدينة.

المال العربي الشحيح لم يتمكن سوى من ترميم بعض البيوت القديمة، ودعم أنشطة تدريبية وتعليمية للصغار والكبار. هذا، بينما وقفت السعة والبحبوحة المالية وراء الصندوق الصهيوني، بحيث اجتهد في بناء متحف كبير وقاعة احتفالات فخمة ومكتبة ضخمة ومجمع للفنون المسرحية. وإجمالاً، ساهم هذا الصندوق على مدار عمره المديد في إنشاء وتعزيز نحو أربعة آلاف مشروع يهودي، بمعدل 80 مشروعاً في العام الواحد.. وتجدر الإشارة هنا إلى أن العشر الأواخر من سبتمبر الماضي، شهدت عدة فعاليات إسرائيلية، احتفالاً بمرور نصف قرن على تأسيسه.

هذا صنيع صندوق واحد ذي طبيعة أهلية طوعية، فما بالنا بعشرات من الصناديق المماثلة، التي تدر أموالاً لا مقطوعة ولا ممنوعة للأغراض ذاتها. نحن إزاء سيل من الموارد المالية المغموسة والمحفوزة بالأسطورة الصهيونية عن مكانة القدس في «أرض إسرائيل التوراتية».. الأمر الذي سمح أحياناً بعرض ملايين الدولارات على المرابطين فيها، لغوايتهم بالتخلي عن بضعة أمتار يملكونها في أرضها المخضبة بعطر الحضارة العربية بشقيها المسيحي والإسلامي.

نتصور أن الحد الأدنى، وأضعف الإيمان لمقاومة تهويد القدس وإبطال مفعول احتلالها عملياً، هو مقارعة صناديق الغزاة بصناديق مضادة، مساوية لها، إن لم تكن متفوقة عليها، على صعيد القول والفعل. صناديق هدفها تثبيت الحقائق العربية الحضارية التاريخية القائمة، وصناعة حقائق أخرى، بما يقوي عزائم المرابطين فيها.

إنها دعوة إلى صيانة ما مكث في الأرض وجلى الهوية الأصيلة للمدينة. وندعو بالقدر ذاته من الإصرار، على بناء حقائق أخرى مستوحاة من روح العصر.. فالموجودات التاريخية تفعل فعلها في صراع الهويات والروايات، لكنها تحتاج إلى ما يردفها من مفردات وحقائق مشتقة من الحاضر ومنفتحة على آفاق المستقبل.