تبرز دولة الإمارات اليوم على الساحة الدولية كأنموذج عملي وحديث للكثير من المؤشرات التنموية الناجحة في الإدارة والاقتصاد والمجتمع. فهي أنموذج اقتصادي ناجح يستحق الاقتداء به، وأنموذج في تبني نظم الإدارة المتطورة، وأنموذج في التعايش السلمي والتسامح، وأنموذج في تبني المبادرات المبتكرة الناجحة. لذلك تبدو الإمارات دوماً وكأنها في سباق مع الزمن لتطوير ذاتها والانتقال في كل يوم الى مرحلة جديدة قائمة على رؤية واضحة واستراتيجية تنموية مثيرة للإعجاب.
هذا الوضع يجعل منها أيقونة عربية معاصرة يعتز بها جميع العرب أينما كان موطنهم وتواجدهم ومعتقداتهم الأيديولوجية. ولهذا تأتي محاولات البعض في تشويه صورة الإمارات المعتدلة والمنفتحة وفي فرض أفكارهم المتطرفة والضيقة كعملية مرفوضة من قبل القيادة والشعب. فقدر الإمارات منذ القدم أن تكون منطقة تواصل ومحطة مرور تجارية وموقع عبور للكثيرين من تجار ومهاجرين وعابري طريق. لم يشعر أحدهم في المنطقة بالغربة أو عدم الأمان لأن المنطقة تميزت عن غيرها بصفات الموانئ التجارية، ألا وهي الانفتاح وتقبل الآخر والتنوع حتى أصبح الكثيرون يربطون هذه القيم بالإمارات، ويعتزون بالانتماء لها حتى لو لم يكونوا من مواطنيها.
تحدثني زميلة من دولة خليجية مجاورة عن سعادتها واعتزازها في زيارة لها إلى دولة غربية عندما سألت عن بلدها وقبل أن تجيب بادرها السائل هل أنت من الإمارات؟ أجابت لي الشرف فهي بلدي الثاني. الكثيرون مثلها يشعرون بأن الإمارات ليست فقط بلداً للإقامة والعمل ولكن وطنهم الثاني. مهاجرون من جميع أصقاع العالم يعيشون ويعملون بيننا ولا يشعرون بالغربة أو يفتقدون الأمان. والسبب معروف. فدولة الإمارات سنت الكثير من القوانين وتبنت الكثير من التشريعات التي تجرّم نبذ الآخر وتحرّم التفرقة وتجعل من الدولة مكاناً آمناً وملائماً للجميع.

جرمت الإمارات التفرقة بين البشر طبقاً للدين أو المذهب أو المعتقد ولم تفرق بين الألوان واللغات. فعاش الجميع بين جنباتها يشعرون بأنهم سواسية امام القانون والعدالة. هذا الوضع هو الذي أهّل الإمارات اليوم لتكون أيقونة جميلة للتسامح والتعايش السلمي. ولكن ربما يكون هذا الوضع يمثل تهديداً ايديولوجياً لبعض الفئات المتطرفة التي لا تريد أن ترى الإمارات وهي تعيش في سلام وطمأنينة واستقرار. فالهدف من إثارة الفوضى والبلبلة هو خلق جو غير مستقر يمكنها من تنفيذ أجندتها الأيديولوجية وفرضها بالقوة على الجميع. هذا الفرض لن ينجح لعدة أسباب منها أن الإمارات تاريخياً مجتمع منفتح لا يقبل التطرف ولا العنف وغير مستعد لنبذ الآخر بسبب الاعتماد المتبادل بيننا وبين الآخر اقتصادياً ومهنياً.
ومن الأسباب الأخرى أن العقيدة الدينية التي قامت عليها ثقافة المجتمع الأصلية لم تتبن أبداً التطرف والعنف ولم تلجأ اطلاقاً الى الإقصاء والتهميش، ولهذا فإن تبني فكرة الإقصاء والتهميش الآن لن ينجح على الإطلاق بسبب عدم وجود خلفية سابقة لها. بالإضافة الى ذلك فهناك وعي شعبي متزايد في المنطقة بخطورة تبني الأفكار المتطرفة لما لها من تأثير سلبي ليس فقط في الأمن والاستقرار بل في مجمل الأوضاع العامة في البلد. لذا نجد هناك رفضاً ليس فقط على المستوى السياسي بل على المستوى الشعبي لتبني لتلك الأفكار المتطرفة وخطورتها العابرة للقارات والحدود. لقد رأينا نماذج حية لبلدان استطاعت تلك التيارات المتطرفة ان تحولها من بلدان مزهرة الى ركام وحروب اهلية طاحنة وسحابة سوداء لا تنقشع. لقد أدرك أهلها متأخراً أن السبب يكمن في تلك التيارات الفكرية المتضاربة والتي نشرت التطرف والعنف وأشاعت جواً من الانقسام والحروب الطاحنة. ولو قدر لتلك البلدان أن تقول كلمتها الآن لرفضت رفضاً قاطعاً السماح للتطرف بأن يفرش رداءه على البلاد والعباد.
إن الإمارات عندما تحارب التطرف والغلو إنما تحاربه لإدراكها بخطورته العابرة للحدود والقارات واقتناعاً منها بضرورة بقاء المنطقة خالية من مسببات القلق وعدم الاستقرار وحرصاً منها على توفير الأمن والسلام للجميع. إنها مدركة بأن قدر المنطقة قائم على التفاعل والتعامل مع الآخر وليس على اقصائهم أو تهميشهم. وكما أن قدر المنطقة أن تكون محط أنظار وقلوب الكثيرين فإن قدرها ايضاً أن تكون منطقة محايدة قائمة على ثقافة الوسطية والاعتدال وليس التطرف والعنف ولهذه الأسباب جميعها فإنه لا مكان للتطرف في الإمارات.