«.. والله يا خال ما كنا نعرف أنهم جايين لبلادنا علشان يحتلوها ويطردونا منها».
وبلهجته الفلاحية كان خالي أبو محمد يسحب نفساً من سيجارته اليدوية «اللف» وكأنه يشعل حريقاً من صدره، يكمل عن تلك الفترة من الثلاثينيات والأربعينيات «أشفقنا عليهم، وبنخوة العربي أكرمناهم وأسكناهم بيننا، كان أبو إبراهيم وابنه اسحق وابنته داليا وزوجته يتعلمون لهجتنا ونتعلم لغتهم، يأكلون كأكلنا، يشربون من مائنا، وبعضهم يلبس لباسنا. كان الختيارية يجلسون أمام دكانته في العصاري وفي الليالي يتسامرون ويضحكون و... يذهبون إلى النوم في أمان وسلام».
يمجّ نفساً آخر من سيجارته ويمدد جسده أكثر على فرشة رقيقة خشنة ويستطرد: لم نكن نسأله، ولا نسألنا، من أين يأتي بالمال ولا لماذا جاء إلى بلدنا، وحين قامت الحرب (1948) وجدنا أن أبو إبراهيم ليس أبو إبراهيم بل افراهايم وابنه اسحق ليس اسحق بل يتسحاق وكلاهما يرتدي ملابس عسكرية و.. بدموع سالت ببطء حتى ذقنه قال: والبقية أنت تعرفها.
لم يكن الخال يعرف أن الوكالة اليهودية لعبت الدور الأهم في تشجيع الهجرة واستيعاب المهاجرين اليهود داخل فلسطين، الأمر الذي شكل أساساً للكيان الإسرائيلي حين أعلن عن قيامه عام 1948. كانت الوكالة اليهودية قد اُنشئت في فلسطين عام 1922 استناداً إلى المادة الرابعة من صك الانتداب البريطاني الذي أدمج فيه وعد بلفور بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.
وقد نصت المادة المذكورة من صك الانتداب على «أن وكالة يهودية مناسبة سوف يعترف بها كهيئة استشارية لإدارة فلسطين والتعاون معها في المسائل الاقتصادية والاجتماعية وغيرها، مما قد يؤثر في إقامة وطن قومي يهودي وحماية مصالح السكان اليهود في فلسطين».
هؤلاء السكان الذين جاؤوا إلى فلسطين لاجئين و«تمسكنوا حتى تمكنوا» وطردوا أهل فلسطين المساكين.
قلت للخال: مشكلتنا نحن العرب والمسلمين أننا لا نقرأ، وإن قرأنا لا نفهم، وإن فهمنا لا نتحرك.
هل تعلم يا خال انه قبل 161 سنة من نكبة 1948 وفي المؤتمر التأسيسي لإقرار الدستور الأميركي في فيلادلفيا عام 1787م حذر أبو الدستور أول رئيس أميركي بنجامين فرانكلين الأميركيين من خطر اليهود على الولايات المتحدة قائلاً: أيها السادة لا تظنوا أن أميركا قد نجت من الأخطار بمجرد أن نالت استقلالها فهي ما زالت مهددة بخطر جسيم لا يقل خطورة عن الاستعمار..
وهذا الخطر سوف يأتينا من جراء تكاثر عدد اليهود في بلادنا وسيصيبنا ما أصاب البلاد الأوروبية التي تساهلت مع اليهود وتركتهم يتوطنون في أراضيها، إذ أن اليهود بمجرد تمركزهم في تلك البلاد عمدوا إلى القضاء على تقاليد ومعتقدات أهلها.
وقتلوا معنويات شبابها بفضل سموم الإباحية واللا أخلاقية التي نفثوها فيهم، ثم أفقدوهم الجرأة على العمل وجعلوهم ينزعون إلى التقاعس والكسل بما استنبطوه من الحيل لمنافستهم على كسب لقمة عيشهم، وبالتالي سيطروا على اقتصادات البلاد.
وهيمنوا على مقدراتها المالية، فأذلوا أهلها، وأخضعوهم لمشيئاتهم، ومن ثم أصبحوا سادة عليهم، مع أنهم يرفضون الاختلاط بالشعوب التي يعايشونها حتى بعد أن كتموا أنفاسها، فهم يدخلون كل بلد بصفة دخلاء مساكين، وما يلبثون أن يمسكوا بزمام مقدراتها، ومن ثم يتعالون على أهلها، وينعمون بخيراتها دون أن يجرؤ أحد على صدهم عنها.
ولقد رأينا في الماضي كيف أذلوا أهل إسبانيا والبرتغال وما يفعلونه اليوم في بولونيا وسواها من البلاد، ومع كل هذا جعلوا التذمر شعارهم حيثما وجدوا، والتشكيك ديدنهم، فهم يزعمون أنهم مضطهدون طالما كانوا مشردين ويطالبون بالعودة إلى فلسطين.
أتعلمون أيها السادة لماذا؟ خاطب فرانكلين المجتمعين: لأنهم أبالسة الجحيم وخفافيش الليل، ومصاصو دماء الشعوب فلا يمكنهم أن يعيشوا مع بعضهم البعض لأنهم لن يجدوا فيما بينهم من يمتصون دمه. ولهذا فهم يفضلون البقاء مع الشعوب الشريفة التي تجهل أساليبهم الشيطانية ليثابروا على امتصاص دماء أبنائها، ولينهبوا من خيراتها.
ولأنه كان يقرأ التاريخ جيداً قال: أتوسل إليكم جميعاً أيها السادة أن تسارعوا لاتخاذ هذا القرار وتطردوا هذه الطغمة الفاجرة من البلاد قبل فوات وإلا سترون بعد قرن واحد أنهم أخطر مما تفكرون، وستجدونهم وقد سيطروا على الدولة والأمة ودمروا ما جنيناه بدمائنا.