أحد المؤشرات على اقتراب ساعة الصفر لبدء معركة تحرير الموصل، ما يشهده إقليم كردستان من كثافة في الزيارات التي يقوم بها وزراء دفاع ومسؤولون عسكريون وسياسيون من دول التحالف الدولي، وذلك لأن الإقليم سيكون نقطة الانطلاق لتحرير المدينة.
لن تكون هناك صعوبات في استعادة المدينة من تنظيم داعش، الذي وجد في سلسلة الهزائم التي تلقاها في عدد من مدن محافظتي صلاح الدين والأنبار، أن الجيش العراقي الذي يواجهه، ليس ذاك الذي واجهه وهزمه في الموصل قبل عامين، فالمعلومات المسربة من داخل المدينة، تشير إلى حالة ضعف المعنويات الذي تعتري أفراد هذا التنظيم، الذي هربت بعض قياداته.
التأخير في بدء عملية تحرير الموصل، لا علاقة له باستكمال قدرات الجيش وإعداد الخطط العسكرية للمعركة، فأسباب التأخير ذات طابع سياسي، المعركة حين تبدأ، فهي محسومة دون شك لصالح العراق، ولكن ماذا عن وضع المدينة وما يحيط بها من مناطق، لا يزال الخلاف محتدماً حول مستقبلها.
معركة تحرير الموصل يكتنفها الكثير من التعقيدات، أبرزها دور إقليم كردستان، الذي لا غنى عنه في تحرير المدينة، ودور الحشد الشعبي الذي هناك العديد من التحفظات حول اشتراكه، لحساسية ذلك بسبب الخروقات التي رافقت مشاركته في عمليات تحرير تكريت والصقلاوية والكرمة والفلوجة، أبرز المتحفظين على ذلك، هو مجلس محافظة نينوى وإقليم كردستان.
النموذج الذي سجل أفضل النجاحات، من حيث نظافة المعركة وخلوها من التجاوزات، كانت معركتا تحرير القيارة والشرقاط، اللتان شارك فيهما الجيش والمقاتلون من أهالي المنطقة.
لمعركة الموصل التي تأخرت كثيراً، أهمية استثنائية، فالموصل أكبر مدينة عراقية بعد العاصمة بغداد، تقع وسط محافظة أصاب تقاليدها التي تأسست على التنوع الديني والقومي والطائفي، والتي دامت آلاف السنين، العديد من التصدعات الخطيرة، إثر ما عاناه المسيحيون والأيزيديون والشبك والأقليات الأخرى على أيدي تنظيم داعش، وما رافق ذلك من اتهامات لهذا الطرف أو ذاك من الشركاء في المحافظة أو في جوارها، بالمسؤولية عن ذلك.
فقد طرأ ما أخل بأجواء التعايش بين العرب والكرد والتركمان والآشوريين والكلدان والسريان والأرمن، والمكونات المذهبية الأخرى التي تضم الكاكائية والشبكية وأتباع الديانات الإسلامية والمسيحية والأيزيدية والصابئة في هذه المحافظة.
لم تشهد معركة تحرير أي مدينة من تنظيم داعش، معارك سياسية حول مستقبلها، كما تشهد معركة تحرير الموصل، بسبب تعقيد بنيتها الجغرافية من جهة، وبسبب كونها عاصمة «الخلافة» المزعومة لتنظيم داعش من جهة أخرى.
كما أن هذه المعركة ستوصل الخلافات بين بغداد وأربيل إلى الدرجة التي لم يعد ممكناً استمرار تجاهل المادة 140 من الدستور الخاصة بالأراضي المختلف على تبعيتها. فقد أصبحت معظم هذه الأراضي الواقعة في محافظة نينوى، تحت سيطرة قوات البيشمركة التي لن تنسحب منها، كما أعلن الإقليم أكثر من مرة.
سيناريوهات عديدة وضعت حول مستقبل المحافظة، بعضها لدى بغداد، وأخرى لدى إقليم كردستان، وثالثة لا نستطيع التكهن بفحواها لدى تركيا، ورابعة يتبناها بعض وجهاء المدينة، وليس من المستبعد أن تكون السيناريوهات التركية متداخلة مع أخرى في بعض تفاصيلها.
معظم هذه السيناريوهات، تتناول إعادة النظر بالوضع الإداري للمحافظة من خلال سلخ بعض أجزائها أو تقسيمها إلى عدة محافظات على أسس الانتماء العرقي أو الطائفي.
ومع أن أي من هذه السيناريوهات، لم تطرح بشكل رسمي، إلا أن مجلس النواب العراقي استبق ذلك، وصوت في السادس والعشرين من سبتمبر الجاري، بعد مناقشات مستفيضة، لصالح إبقاء المحافظة موحدة وفق حدود التاسع عشر من مارس 2003.
ولكن بعيداً عن خطط هؤلاء وهؤلاء، ما الذي يشغل بال المواطن في الموصل؟، فعلى مدى ثلاث عشرة سنة، يشكو المواطن العراقي عموماً من ظاهرة غياب الدولة وسيادة المليشيات وتسلطها، أما المواطن الموصلي، فمعاناته من غياب الدولة كان له شكل آخر.
فخلال عشر سنوات، عانى الأمرين من جور الأجهزة الأمنية الحكومية التي لم تترك وسيلة للمضايقة إلا وبالغت في ممارستها في نقاط التفتيش والسيطرات العسكرية، تلتها سنتان من معاناة ذات طابع آخر، تحت حكم تنظيم داعش، فهو في حيرة من أمره، وليس لديه خيارات، وهو يقف على أبواب معركة تدور حول مصير مدينته، مهدد بالموت أو التهجير شبه الجماعي، أو الوقوع من جديد تحت رحمة وجور الأجهزة الأمنية.
فهل ستضع معركة تحرير الموصل، نهاية لمعاناة مواطنيها؟، وهل ستبقى المحافظة موحدة كما قرر مجلس النواب؟.