عندما يدلي بعض المسؤولين الاسرائيليين بدلوهم فى شؤون «الشرق الأوسط» وشجونه، فإنهم لا يملكون دفعاً لرغباتهم السوداوية المكنونة تجاه العرب. وتتضاعف فرص ابحار هؤلاء المسؤولين برؤاهم ورواياتهم في أجواء مواتية، كلما كان جمهور المستقبلين إما حليفاً أو صديقاً لهم، وإما جاهلاً بتاريخ العرب وفلسطين وبالسيرة المنكودة للمشروع الصهيوني وكيانه السياسي إسرائيل.
ينطبق هذا التصور بحذافيره على حديث رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق موشى يعالون مؤخرا، في معهد واشنطن للدراسات. لقد كان المطلوب من يعالون تقديم توقعاته عن «مستقبل العالم العربي في ظل الصراعات المتفاعلة في عدد من دوله»، فإذا به ينحرف بالنقاش من دائرة التوقعات الموضوعية إلى آفاق الرغبات والأمنيات الصهيونية الإسرائيلية.
يعتقد الرجل، مثلا، أن «..اعادة ترتيب الأوراق في المنطقة مصدره انهيار نظام الدولة القومية الذي فرضته القوى الاستعمارية ونشوء دول مصطنعة مثل سوريا والعراق وليبيا، التي أخذت تتفكك ومن غير المرجح أن تعود إلى ما كانت عليه، بل من المحتمل أن يجرى تشكيلها ضمن أقاليم متجانسة عرقيا أو في اتحادات هشة..». بهذا الخصوص فات يعالون التمييز بين القومي والوطني.. المستعمرون عمدوا إلى تثبيت كيانات وطنية خطوها على الأوراق وقيدوا حدودها على الرمال، ولو انهم التزموا بالمحددات القومية لقيام الدول وقعودها، لكان العرب الآن، ومنذ نهاية الحرب العالمية الأولى على الأقل، دولة واحدة. وإذا كان الرجل يرى في سوريا والعراق وليبيا؛ المنتمية بلحوم شعوبها ودمائها وتراثها اللغوي الثقافي الحضاري إلى المنطقة ؛ المنبعثة منها والمتجذرة فيها منذ خلق الله الأرض ومن عليها، دولاً مصطنعة قابلة للتفكك والأفول، فماذا عن اسرائيل التي مازالت قيد الاصطناع والتشكل والاستزراع في هذه المنطقة منذ بضع عشرات من السنين لا أكثر ؟!.
يأبى العقل الأمنياتي إلا أن يتلصص في حديث يعالون من خلال اشارته إلى احتمال تفكك الدول الوطنية العربية إلى ما دون ذلك، حيث الدول «المتجانسة عرقياً». أي مطلع على مسار الصراع الصهيوني العربي يعرف أن مفهوم التفكك هنا، ليس تطوراً طبيعياً لأحوال الأمة العربية، وإنما هو أحد أهم الأهداف والأماني الاستراتيجية للمشروع الصهيوني وكيانه السياسي اسرائيل. وإذا كان الرجل يرجح انسياق الدول الوطنية العربية إلى هذا المصير، فماذا أيضا عن اسرائيل وهي بدورها صنيعة ذلك العهد.. ما الذي يدعوه إلى استثنائها من التصدع والتفكك ذات حين، وهي المستوطنة التي تضم مكونات اجتماعية وثقافية تنتمى بأصولها إلى أكثر من مئة دولة ومجتمع أم ؟.
وفقاً لمنظور يعالون، ينقسم الشرق الأوسط إلى أربعة معسكرات رئيسية: المحور الشيعي الإيراني ومحور الإخوان المسلمين ومحور الجهاديين العالميين ؛ والمحور السني، وفى تقديره أن «.. لإسرائيل مع احد المعسكرات مصالح مشتركة وتعاوناً ينبغي أن يقوى أكثر..».
نحن هنا بصدد تعبير ولا أصرح عما يجول في فكر الصهاينة والإسرائيليين من رغبة جامحة في تقسيم المنطقة وتجزئتها وحشر دولتهم وتطبيع وجودها في أحشاء محيطها الإقليمي.. ليس ذلك فحسب وإنما اقناع أحد «معسكرات» هذا المحيط ؛ الفسيفسائي بحسب تصنيفاتهم، بأن له مصلحة في الشراكة معها. ونزعم أن رغبة كهذه لا يمكن أن تمر دون استشعار عناصر المعسكر المقصود، بزعم يعالون وصحبه، بأن ما يجمعهم مع اسرائيل الصهيونية اليهودية، أكبر وأقوى من أواصرهم مع باقي المعسكرات والمحاور ؟.. فهل هذا صحيح ؟..
لا يملك الإسرائيليون اجابة شافية عن مثل هذا السؤال، وليس لديهم أية حجة يواجهون بها سؤالا أهم ؛ يتعلق بالكيفية والحيثيات التي ستسمح لهم بالانضمام إلى أحد «معسكرات المنطقة»، فيما هم يحتلون فلسطين، ويطمعون في اختطاف المسجد الأقصى.. ألا يعلم هؤلاء أن الانشغال بتحرير دولة فلسطين وأقصاها قضية عابرة وجوبا لكل المعسكرات التي تدور في خيالهم ؟..