مع نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينيات القرن المنصرم، توافرت فرص واعدة لبعض الدول في أكثر من مكان في العالم، لأن تصبح قوى إقليمية، بسبب الفراغ الذي تركه انهيار الاتحاد السوفييتي ومنظومة حلف وارسو، فقد كانت هناك شكوك حول قدرة الولايات المتحدة على ملء هذا الفراغ.

القوة الإقليمية تمارس دورها من خلال تأثيرها في مسارات الأحداث في الإقليم التابعة له، فدورها هذا مشابه لدور القوى العظمى في النظام الدولي، ولكن على مستوى أصغر. وهذا يتأتى من توظيف قدراتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية والدبلوماسية وموقعها الدولي، لتشكيل النظام الإقليمي، بغض النظر إن كان هذا التشكيل ذا طابع سلبي أم إيجابي.

المراقب للمشهد التركي، لن يجد صعوبة في رصد التغيير الذي طرأ على سياسة تركيا الخارجية، التي اتسمت بالتوسع والتنوع، منذ مجيء حزب العدالة والتنمية للحكم.

فهذا الحزب، على الرغم من مساندته السياسية لحركات الربيع العربي التي اندلعت في منطقة الشرق الأوسط والشمال الأفريقي أواخر عام 2010، إلا أنه لم يعرب علناً عن رغبة تركيا بممارسة دورها الإقليمي عبر التدخل المباشر إلا مؤخراً، عندما ورد ذلك على لسان الرئيس التركي، بالتزامن مع تغلغل قواته في الأراضي السورية، دعماً للجيش السوري الحر في عملية درع الفرات.

أما رؤى تركيا لدورها الإقليمي، فقد سبقت حركات الربيع العربي، وظهرت إلى العلن مع تسلم أحمد داود أوغلو حقيبة الخارجية في مايو 2009، حين أطلق تصريحاً مفاده «تركيا لديها الآن رؤية سياسة خارجية قوية نحو الشرق الأوسط والبلقان ومنطقة القوقاز».

والحقيقة أن رؤى الدولة، غير الدور الذي تستطيع الاضطلاع به، فتركيا بقيادة حزب العدالة والتنمية، الذي يستقي رؤاه ومنظوماته القيمية من الخلفية الحضارية الإسلامية، ومن إرث الإمبراطورية العثمانية، لن تستطيع أن تلعب دوراً في منطقة البلقان، التي تضم دولاً مسيحية انخرطت في النظام الإقليمي الأوروبي الصلد، من خلال عضويتها في الاتحاد الأوروبي..

وفي حلف الناتو. كذلك لن تستطيع سوى القيام بدور سياسي محدود في منطقة القوقاز، التي تضم جمهوريات إسلامية تابعة لروسيا، تفصلها جغرافياً عن تركيا جمهورية جورجيا المسيحية الشديدة القرب لحلف الناتو، فهذه المنطقة شديدة الوعورة سياسياً وتأريخياً.

وقد شهدت حروباً عديدة بين الإمبراطوريتين العثمانية والروسية، وتبعيتها لروسيا، يقيم صعوبات، ويشكل مخاطر تتفادى تركيا الاقتراب منها، خاصة أنها قد تضررت كثيراً حين تردت علاقاتها مع روسيا، حين أسقطت إحدى طائراتها قرب الحدود مع سوريا.

ولعل المنطقة الرخوة التي تستطيع تركيا أن يكون لها دور ملموس، هي الشرق الأوسط، وبشكل خاص المنطقة العربية، وذلك لبؤس وضع النظام الإقليمي العربي وتداعيه، هذه المنطقة التي أدارت تركيا ظهرها لها على مدى ثمانين سنة، حين كان جل اهتمامها خلال الحقبة الكمالية، هو الاندماج مع أوروبا.

التدخل العسكري التركي في سوريا، لا يتمتع بغطاء الشرعية التي تضفيها الدول العظمى عادة على تدخلاتها العسكرية، باستحصال تفويض أممي من مجلس الأمن، إلا أنه يتمتع بغطاء أميركي، لأنه دور في ظاهره ضد تنظيم داعش، وهو ما شجع الرئيس التركي على التصريح بعدم استبعاده اللجوء لعملية مشابهة لعملية درع الفرات في العراق..

حيث توجد قوات تركية على مقربة من الموصل، فشلت جهود الحكومة العراقية في حمل تركيا على سحبها. ولكن هذا الغطاء الأميركي، له أجل محدود، فالولايات المتحدة قد لا تستمر بتوفيره، إذا وسعت تركيا من المساحات التي تجتاحها، فهي لم تسمح لأي قوة في المنطقة سابقاً بفرض رؤاها.

الصعوبات التي تواجه تركيا في تعزيز دورها الإقليمي في الشرق الأوسط، هي منافسة الآخرين، فهي ليست الدولة الوحيدة التي لها أهداف سياسية تسعى إلى تحقيقها في المنطقة.كان التغلغل التركي في سوريا عملية سهلة.

فقد انسحب تنظيم داعش من جرابلس، حرب كهذه، رغم سهولة بدئها، قد يكون إنهاؤها صعباً، إذ من المتوقع أن تصبح حرباً طويلة الأمد، لأن تركيا دخلت بيئة معادية، قد تحقق فيها بعض أهدافها العسكرية على المدى القصير، إلا أن مصالحها على المدى البعيد قد لا تكون متوافقة مع أهداف ومصالح لاعبين كبار آخرين في سوريا، مثل روسيا وإيران، وإلى حد ما الولايات المتحدة.

أما تدخل تركيا عسكرياً في معركة تحرير الموصل في العراق، فسيكون من الصعب تبريره، فلا وجود لتنظيم داعش قرب حدودها، وليس هناك تهديد أمني لها من جانب إقليم كردستان، الذي يقيم معها علاقات حسنة سياسياً واقتصادياً وتجارياً، ومن الصعب على الولايات المتحدة، توفير غطاء لتدخل كهذا.