تجارب من واقع مؤسساتنا الخدمية

ت + ت - الحجم الطبيعي

ليس أسهل من التجربة الميدانية لتعرف كم تبعد الحياة العملية عن الدراسة النظرية التي تلقيناها في المؤسسات التعليمية، ولهذا يخضع الطالب قبل تخرجه لفترة تدريبية تجعله مؤهلاً للتعامل مع الميدان، وفي الواقع فإن كل جامعاتنا تخضع خرجيها لفترة تدريبية قبل تخرجهم تجعلهم يصقلون ما تعلموه من خلال دراستهم الجامعية في الميدان بكل ما يحمله ذلك الميدان من تحديات وصعوبات وتجارب حياتية مختلفة.

وفي الكثير من الأحيان فإن ما يدرسه الطالب في الجامعة هي دراسة نظرية بحتة بحاجة إلى خبرة ميدانية لتطبيق المهارات التي تعلمها في المؤسسات التعليمية وتطبيقها، ولهذا نجد طالب التدريب في الكثير من الأحيان يقف مذهولاً يقارن ما تعلمه في الجامعة من مهارات وما يطلبه الميدان من مهارات حياتية مختلفة كل الاختلاف.

وفي الإمارات تولي المؤسسات الخدمية العامة والخاصة اهتماما كبيرا بتدريب وتأهيل موظفيها والمنضمين الجدد لها، فيوجد في معظم تلك المؤسسات برامج تدريبية وتأهيلية ليست فقط لتدريب الموظف على انجاز المهام الموكلة له بل على كيفية التعاطي مع التحديات المهنية وصولا إلى التميز والجودة في أداء تلك المهام، فترصد الحوافز والجوائز للموظف المتميز القادر على دمج مهاراته الحياتية مع مهاراته المهنية، كما أن هناك مؤشرات منها رضا المتعاملين عن الخدمات المقدمة وطريقة تعاطي الموظف مع الأعباء الموكولة له خاصة عندما تكون تلك المؤسسة الخدمية تمس حياة قطاعات كبيرة من البشر كقطاع الاتصالات والمياه والكهرباء والإسكان وغيرها من القطاعات الخدمية المؤثرة في حياة البشر.

وعلى الرغم من حرص جميع المؤسسات على أن توكل المهام للشخص المناسب إلا أن معظم المؤسسات الخدمية ونتيجة للضغط المتزايد على خدماتها لا تجد أحيانا الموظف الكفء القادر على العمل تحت الضغوطات والتعامل مع المراجعين بحرفية ومهنية فائقة، فتعين من تقدم لها مع إدراكها التام بأنه يفتقد المهارات اللازمة على أمل أن يكتسب الخبرة مع الزمن ومن خلال التعامل المباشر مع الجمهور، وهنا تقع الكثير من المشاكل، فقد يصطدم عميل بموظف جديد أو موظف لا يزال تحت التدريب أو حتى بموظف قديم ولكنه دائماً التأفف فلا يستطيع خدمة الزبون بالطريقة الأمثل، وهنا يأخذ العميل فكرة لا تليق بسمعة تلك المؤسسة الكبيرة، وتتضخم تلك الفكرة من خلال مرور أكثر من عميل بنفس التجربة، ومن منا لم يمر بمثل تلك التجارب مع المؤسسات الخدمية ومن منا لم يعمم تجربته الشخصية على غيرها من المؤسسات الخدمية.

من خلال تعاملنا مع مؤسسات خدمية حاصلة على العديد من جوائز التميز نكتشف بأن كل تلك الجوائز وكل ذلك التميز لا تعني لنا شيئاً إذا كانت تجربتنا الشخصية ليست جيدة مع هذه المؤسسة أو تلك، فليس كل مؤسسة حائزة على جوائز التميز قادرة على التمتع برضا كل المتعاملين وليس كل مؤسسة حصلت على تصنيف متميز قادرة على التواصل مع كل عملائها بشكل أفضل وراقٍ، كما أن ليس كل مؤسسة يديرها مدير كفء قادر على التحكم في الموظفين الصغار الذين يتعاملون مع الجمهور مباشرة، فهؤلاء هم وجه المؤسسة المشرق وأداة التواصل مع الجمهور، فموظف الاستقبال والاستعلامات بوجهه البشوش ولباقته ومعرفته بكافة تساؤلات الجمهور والمراجعين هو أفضل دعاية لتلك المؤسسة وموظف البدالة هو واجهة جيدة للمؤسسة.

هناك مؤسسات خدمية عامة لا تستطيع التواصل معها. هاتفها اما لا يرد إطلاقا وإما مشغول. هناك موظف يعتبر المراجع مجرد عبء عليه يتأفف أمامه بضغط العمل وكبر حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه، فيجعله يشعر بأنه اقتحم عليه خلوته وكلفه بمهمة صعبة أو ليست من اختصاصه.

أبواب بعض المديرين مغلقة بحجة أنهم في اجتماع مطول طوال ساعات الدوام وآخرون تفتح أبوابهم للأصدقاء والأشخاص من ذوي الصلات بينما تغلق في وجه من ليس لديه واسطة، وهذا واقع العديد من مؤسساتنا الخدمية والتي أنشئت في واقع الأمر لتقدم خدماتها لكل الناس على حدا سواء، ويستلم الموظف فيها أجره نظير خدماته لكافة المراجعين دون استثناء، فليس كل مراجع يملك الوقت الذي يضيع في مراجعات يومية مكلفة، وليس كل مراجع لديه واسطة تجعله ينهي معاملته بسهولة، ولكن حتما هناك الآلاف من البشر الذين ينتظرون رحمة مسؤول أو موظف لإنهاء معاملة.

طباعة Email