الأضحى.. حلوى مُرّة!

ت + ت - الحجم الطبيعي

بخجل قلنا «كل عام وأنتم بخير». وبفخر ضحّينا، ذبحنا الخروف ووزعنا ثلثيه على الفقراء، نحن نعلم أننا لسنا بخير لكننا نتمناه، ونؤدي شعائر عيد الأضحى فيما نحن الضحية.

الأضاحي للدم، وها هو دمنا يجري في شوارعنا، لم يجف بعد في غزة وفي حلب والشام وصنعاء وطرابلس، بغداد تبكي دم دجلة والشام يبكيها بردى، الكل عطشان أو خائف أو... لاجئ، يا الله ما أقسى أن تكون لاجئاً رغماً عن أمنك وبيتك وتاريخك و... ذاك الشجر الذي زرعه جدك!

صبيحة العيد، المراجيح الخشبية أصبحت من عظام القتلى، والفرح خجل من بسمته، من يجرؤ أن يجلب لطفل الفرح وهذا الدم يلطخ الشاشات الفضائية في وجهه، دم عربي من فمه إلى خصلات شعره، من يقدم حلوى العيد للأفواه المرة، مرارة الحزن لا تذوب، تظلُّ عالقة في سقف الحلق وسقف البيت وسقف السماء الرمادي.

نضحي ونحن الأضحية، نفرح ونحن الحزن الممتد من المحيط إلى الخليج، تلك الأرض التي كانت يوماً عربية، بلا دواعش ولا كواسر ولا مستعمر ولا نصرة ولا أحرار الشام ولا غيرها.. كم فئة وفرقة ومذهباً أصبحت في هذه الأمة!!

متى نستوعب أن لا قوة ولا بيت ولا فرح لعربي، ما لم يكن عربي القلب والقالب ولا غالب إلا من آمن بالله وبالأمة؟ هذا عدونا يذبحنا بسكيننا ونحن نجزّ الصوف لندفئه، ونتركنا عراة حفاة نركض وراء سراب خوفنا. الفتنة أشد من القتل، وها نحن نقع فريسة سهلة غبية لصانعي الفتن، ومروجي صكوك الغفران إلى.. الجحيم!

حلوى العيد هذه المرة مُرة، لكن «كل عام وأنتم بخير» و«عساكم من عوادة» و«كل سنة وأنت سالم» كلمات حلوة نقولها صباح العيد وطيلة أيامه الأربعة. تبسمك في وجه أخيك صدقة. وللكلمة الطيبة فعل السحر والخير في النفوس. وإليكم هذه القصة التي لا أعرف مصدرها:

في ليلة من ليالي الشتاء الباردة كان المطر يهطل بشدة.. معانقاً الأرض التي اشتاق لها كثيراً بعد طول جفاف، كان البعض ممسكاً بمظلة تحميه من المطر والبعض يجري ويحتمي بسترته من المطر. في هذا الجو البارد والمطر الشديد كان ثمة رجل يقف كالصنم بملابس رثة..

قد تشقق البعض منها لا يتحرك.. حتى أن البعض ظنه تمثالاً. كان شارد الذهن ودمعة تبعث الدفء على خده. نظر له أحد المارة بازدراء سائلاً: ألا تملك ملابس أفضل؟

ثم وضع يده في محفظة النقود وفي عينيه نظرة تكبر قائلاً: هل تريد شيئاً؟ فرد بكل هدوء: أريد أن تغرب عن وجهي! فما كان من السائل إلا أن ذهب وهو يتمتم.. تباً لهذا المجنون! جلس الرجل لا يتحرك إلى أن توقف المطر ثم ذهب بعدها إلى فندق في الجوار!! قابله موظف الاستقبال صائحاً: لا يمكنك الجلوس هنا.. أخرج. التسول ممنوع هنا.

نظر إليه الرجل نظرة غضب.. وأخرج من سترته مفتاح عليه رقم 1. وهو أكبر وأفضل جناح في الفندق حيث يطل على النهر ثم أكمل سيره إلى الدرج والتفت إلى موظف الاستقبال قائلاً: سأخرج بعد نصف ساعة.. فهلا جهزت لي سيارتي.

صعق موظف الاستقبال.. من الذي أمامي؟! فحتى جامعي القمامة يرتدون ملابس أفضل منه!! ذهب الرجل إلى جناحه وبعد نصف ساعة خرج رجل لا شبه بينه وبين الذي الذي دخل! بدلة فاخرة، ربطة عنق حريرية وحذاء يعكس الإضاءة من نظافته!

لا يزال موظف الاستقبال في حيرة من أمره! خرج الرجل وركب سيارته الرولز رايس منادياً الموظف... كم مرتبك؟ الموظف: 3000 دولار سيدي.

الرجل: هل يكفيك؟ الموظف: ليس تماماً سيدي. الرجل: هل تريد زيادة؟ الموظف: من لا يريد سيدي. الرجل: أليس التسول ممنوعاً هنا؟ الموظف بإحراج: بلى. الرجل: تباً لكم.. ترتبون الناس حسب أموالهم فسبحان من بدل سلوكك معي في دقائق وتابع قائلاً: في كل شتاء أحاول أن أجرب شعور الفقراء! أخرج بلباس تحت المطر كالمشردين.. كي أحس بمعاناة الفقراء! أما أنتم فتباً لكم.. من لا يملك مالاً ليس له احترام.. وكأنه عار على الدنيا إن لم تساعدوهم... فلا تحتقروهم... فالكلمة الطيبة صدقة.

 

 

طباعة Email