00
إكسبو 2020 دبي اليوم

الصورة السيئة ومحاسبة السعودية

ت + ت - الحجم الطبيعي

ما لا قد يبدو معقولاً وقع. أقر الكونغرس الأميركي، بمجلسيه النواب والشيوخ، وسط دهشة الكثيرين واستغرابهم، تشريعاً يسمح لأسر ضحايا هجوم 11 سبتمبر بمقاضاة الحكومة السعودية على الأضرار التي لحقت بهم.

غير المعقول أنه كيف يمكن أن تتهم أكثر دولة استهدفها تنظيم القاعدة، هاجمها التنظيم منذ عام 1995 أي سابقة لهجمات 11 سبتمبر بست سنوات، بتفجير في الرياض. ويوجد كم كبير من البيانات وأشرطة الفيديو يعلن فيها قادة »القاعدة«، قبل هجماتهم على نيويورك، أنهم يعتبرون السعودية والولايات المتحدة عدوي التنظيم.

الفكر المتطرف هو اللوم الوحيد الذي يستخدم ضد الحكومة السعودية في أفعال »القاعدة«، والسعودية مذنبة بنفس القدر الذي يماثل ذنب شركة »غوغل« أو »فيسبوك« أو »تويتر« أو »يوتيوب«، واتهامها بأنها مسؤولة عن أفعال تنظيم »داعش« لأن هناك من يفكر أو يعبر عندها عن آراء متطرفة!

طبعاً، من السخف اتهام أي حكومة بجريمة لوجود فكر متطرف، لأنه سينطبق على كثير من دول العالم. ففي فرنسا، وبريطانيا، وهولندا، مثلاً، متطرفون لا يقلون تشدداً وبدائية عن متطرفي السعودية. إنما المسؤولية تصبح قانونياً ملزمة إذا كانت السلطات الرسمية طرفاً في إدارة التنظيمات الإرهابية، أو التهاون معها، وهذا لا ينطبق على السعودية، ولا فرنسا، ولا فيسبوك وغيرها من المجتمعات الحقيقية والافتراضية.

وفي محاولة لفهم التطور الذي حدث، كيف تطورت التهمة غير المعقولة من مقالات صحف وتصريحات عابرة إلى مشروع قانون خطير يهدد دولة، أنا أرى أن السبب الرئيسي يعود إلى فشل في التواصل بين الجانبين رغم العلاقة القديمة والجيدة. حدث فشل وخلط في فهم قضية التطرّف الديني الواسع كظاهرة حديثة والإرهاب كحركات شعبية.

والإسلام كدين، والمسلمين كاتباع، والمتطرفين من المسلمين، والحكومات الإسلامية. هذه العناصر يسهل الخلط بينها، لا شك أنها لعبت دوراً في تبسيط المشكلة واعتبار السعودية كبلد إسلامي محافظ مسؤول عما حدث، بغض النظر عن التفاصيل المهمة.

وهذا القرار، وما سيلحقه بالعلاقات، نموذج على فشل التواصل بين بلدين كانا في يوم قريب حليفين تقريباً في كل شيء.

السعودية ركنت فقط على الجانب الدبلوماسي لمعالجة قضاياها مع الولايات المتحدة. وهذا الأسلوب يصلح مع الدول ذات الأنظمة المركزية التي تتحكم فيها قيادة واحدة، مثل روسيا أو الصين، لكنها لا تكفي في الدول الغربية فيها قوى وسلطات متعددة.

فرئيس الوزراء البريطاني المتنحي حديثاً، ديفيد كاميرون، استخدم كل علاقاته وصداقاته لوقف رغبة عند مواطنيه بخروج بلادهم من الاتحاد الأوروبي لكنه فشل. حتى انه استعان برئيس الولايات المتحدة، باراك أوباما الذي خاطب البريطانيين يرجوهم بالتصويت ضد الخروج، ولم يستمعوا إليه.

صورة السعودية تختلط في ذهن حتى أقرب الناس إليها، أهي محافظة أم متطرفة؟ في حين أن السعودية أكثر دولة في العالم تحارب »القاعدة« و»داعش«، وهي أكثر بلد أقدم على اعتقال كل من له علاقة بالتنظيمات، أو حتى فكر أن يبني علاقة معها، أو جرب أن يسافر إلى مناطق الحروب.

في السجون السعودية يقبع الآلاف من المدانين بالإرهاب، بينهم محرضون على العنف، ورجال دين أفتوا مؤيدين للقاعدة وتبرير العنف، ورجال أعمال قدموا أموالاً لتنظيمات تصنفها الأمم المتحدة إرهابية. وهناك إعلاميون منعوا من أعمالهم بسبب تأييدهم للقاعدة. في المقابل مثل هؤلاء طليقون يعيشون حياة سعيدة في دول كبريطانيا وفرنسا وألمانيا من دون حساب!

خطأ كبير ارتكبه مجلسا الشيوخ والنواب في الكونغرس عندما وافقا على قانون ما يسمى »جاستا« وهو اختصار »تطبيق العدالة على داعمي الإرهاب«، فالسعودية فعلياً هي مفتاح محاربة الإرهاب، فكراً ووسائل، ومن دون مشاركتها وضع العالم لن يكون سهلاً. و

لابد من التفريق وعدم الخلط بين الإرهاب وبين المحافظة الدينية، مثل نقاب المرأة ومنعها من القيادة من الإشكالات الاجتماعية التي يعاني منها المسلمون اليوم، تعبر عن صراع بين الإسلام القديم المحافظ والإسلام المعاصر، وهو صراع موجود داخل المجتمع السعودي نفسه لكنه أمر لا علاقة له بالتطرف ولا الإرهاب.

ومعظم فكر الإرهاب جاء مع الثورة الإسلامية في إيران، وليس في السعودية. فآية الله الخميني وحكومته أول من شجع على استخدام العنف باسم الدين، وهي التي أحيت من التاريخ القـــديم فكرة الاستشهاد، وهي التي روجت لثقافة الحرب الدينية على الغرب، السعودية لم تكن طرفاً في كل هذه الأحداث التي عاثت في العالم إرهاباً، وكانت جريمة الحادي عشر من سبتمبر واحدة منها.

طباعة Email