أمــة تنتحـر

ت + ت - الحجم الطبيعي

نحن أمة تنتحر، والتعبير ليس من عندي، وإنما هو للشيخ عبدالله بن بيّه، أحد أكبر علماء الأمة المعاصرين. وقد جاء وصفه هذا في مجال تشخيصه لحال الأمة الذي قال إنه كارثي، خلال حوار أجراه معه برنامج «قابل للنقاش» في الحلقة التي ستبث مساء يوم الأربعاء المقبل على قناة دبي الأولى.

نعم نحن أمة تنتحر، فما من أمة أتيحت لها فرص كثيرة كي تكون أمة عظيمة وضيعت هذه الفرص مثل أمتنا الإسلامية، التي شهدت على مدى تاريخها صراعات داخلية بين أبنائها أكثر مما تعرضت له من هجمات خارجية. والتاريخ على ذلك شاهد، منذ الفتنة الكبرى التي قسمت الأمة إلى فريقين متناحرين، تفرّع عنهما فرق وطوائف وشيع كثيرة مختلفة الأهواء، تعتقد كل فرقة منها أنها الناجية، لأنها على حق وغيرها على باطل. ثم تعاقبت على الحكم دول كبرى بعد انتهاء مرحلة الخلافة الراشدة، كانت أولها الدولة الأموية، وتلتها دول قامت كل واحدة منها على أنقاض الأخرى، مثل الدولة العباسية، والدولة الأموية في الأندلس، والفاطمية والأيوبية والمملوكية، وما تزامن مع هذه الدول الكبرى من إمارات وسلطنات مختلفة الحجم والقوة والضعف، مثل السلاجقة والبويهيين والأدارسة والمرابطين والموحدين والحمدانيين والزنكيين وغيرهم. فقد تناوبت هذه الدول على تضييع الفرص خلال العصور التي عاشتها، لا فرق في ذلك بين دولة كبرى، حكمت مساحات شاسعة من الأراضي، وبين دولة صغيرة، قامت مستغلة ضعف الدولة المركزية في عاصمة الخلافة.

نعم نحن أمة تنتحر. لم تستفد من الدروس التي مرت بها، وأهمها درس الأندلس التي انتهى الحال بها، بعد سقوط الخلافة الأموية فيها، إلى دويلات صغيرة عرفت بدول الطوائف، وشهدت واحداً من أكثر عهود التاريخ الأندلسي تعقيداً وتشابكاً واضطراباً، انفرط فيه عقد البلاد، وتقاسمتها نحو ست وعشرين دولة، تفاوتت فيما بينها في الحجم والقوة والضعف، فأصبح القوي منها ينقضّ على الضعيف ويبطش به، والضعيف منها يتحالف مع القوي، حتى لو كان هذا القوي من الممالك المسيحية التي كانت قوتها تتزايد في الشمال، وتعد العدة للقضاء على دول الطوائف، حتى كان السقوط الكبير باستسلام أبي عبدالله الصغير، آخر ملوك الأندلس، وخروجه المشين من غرناطة في مشهد حزين ظهر فيه وهو يلقي نظرته الأخيرة على تلك المدينة الجميلة، التي كانت ذات يوم عاصمة الخلافة الإسلامية، من مكان ما زال يعرف حتى اليوم باسم «زفرة العربي الأخيرة» ويبكي، بينما أمه عائشة الحرة تنظر إليه، وهي تطلق مقولتها الشهيرة: «إبكِ مثل النساء مُلكا مُضاعا لم تحافظ عليه مثل الرجال».

نعم نحن أمة تنتحر، لأن أرضها تحترق، وأرواح أبنائها تزهق، بينما يتحالف بعض طوائفها مع أعداء الأمس، كأني بهم يستدعون سيرة ملوك طوائف الأندلس الغابرين، ويعيدون تمثيل المأساة من جديد، لكنه تمثيل من ذلك النوع التراجيدي، الخاسرون فيه هم الممثلون والمتفرجون من أبناء هذه الأمة المستسلمة، والرابحون هم أعداؤها المتربصون بها، والضحية هي أمة تنتحر، وتخسر حاضرها ومستقبلها مثلما خسرت ماضيها، وتوغل في التطرف كما لم يفعل السابقون، وتسفك من دماء أبنائها أكثر مما تسفك من دماء أعدائها، وتستعدي العالم عليها كما لم تفعل أمة في التاريخ.

نعم نحن أمة تنتحر، فما من أمة كأمتنا اختار له الله ديناً سمحاً، جمع الفضائل كلها، واحترم الأديان كلها، وتوافق مع الشرائع كلها، فضيعت هذا كله، وحولت سماحة دينها إلى شدة، وأضاعت فضائله بسلوكياتها البعيدة عن أخلاقه تماماً، واتخذت مواقف عدائية من كل أصحاب الديانات والملل، ففقدت صلتها بالواقع، وخسرت احترام أصحاب الديانات والملل الأخرى، وحولتهم إلى أعداء، لأنها لم تظهر لهم الوجه الحسن من دينها كما أمرها خالقها.

في يوم النحر نقرّ أننا نتفق مع شيخنا عبدالله بن بيّه على أننا أمة تنتحر، ونجزم أنه ليس بعد الانتحار جريمة ترتكبها أمة ضد نفسها في تاريخ البشر.

طباعة Email