بعد تردد دام طويلاً قامت تركيا صباح الرابع والعشرين من أغسطس المنصرم باجتياح الأراضي السورية بقواتها المدرعة المدعومة بغطاء جوي، ومع هذا الحدث الهام بدأ طور جديد من الحرب الأهلية الدائرة في سوريا منذ خمس سنوات، وتعززت في الوقت نفسه المؤشرات على تصاعد الخلافات الأميركية التركية التي برزت إلى العلن إثر فشل الانقلاب العسكري في تركيا.

إقدام تركيا على ذلك لم يكن مفاجأة للعالم فهي قد استكملت الاستعدادات لهذه العملية منذ يوليو 2015 ولم يفتها أن تطمئن النظام السوري عبر روسيا وإيران بأن دخول قواتها لإقامة منطقة آمنة على حدودها من شأنه أن يمنع تقسيم سوريا.

المنطقة الآمنة ستكون بعمق عشرين كيلومترا وقد يصل عرضها إلى مائة كيلومتر وستكون خالية من قوات داعش ومن قوات الكرد السوريين كذلك. لأن الغرض الرئيس لهذه العملية هو منع قيام منطقة حكم ذاتي كردي على الحدود التركية، حيث تسعى أنقرة إلى ضم المناطق الكردية إلى هذه المنطقة.

إلا أن مساحتها قد تتغير فذلك يعتمد على الاستراتيجية التي يتبعها الجيش السوري الحر في التوسع باتجاه الجنوب نحو حلب، وهو أمر مرهون بقدرات هذا الجيش العسكرية من جهة وبتطور المشهد السريع التغير من جهة أخرى.

تركيا تراقب بحذر الموقف الدولي من هذه المنطقة فرغم عدم ظهور اعتراضات شديدة على إنشائها إلا أن هناك الكثير مما سيقال حول شروط إدارتها ورسم السياسات التي تتخذ فيها وحيالها، فهذه المنطقة في ظل الأوضاع السورية الشائكة والملتهبة ستكون عرضة لهجمات تنظيم داعش وعرضة لهجمات القوات الكردية كما إن النظام السوري لن يكون صديقا لها.

فكرة إقامة المنطقة الآمنة التي اقترحتها تركيا منذ سنوات وحظيت بدعم أوروبي للتخفيف من أعباء اللاجئين، طالما لقيت رفضا من جانب الولايات المتحدة بحجة أن إقامتها يتطلب وجود قوات على الأرض ويتطلب غطاء جويا وهو ما لا ترغب الولايات المتحدة بتأمينه للصعوبات التي تكتنف ذلك.

هذه المنطقة قد أصبحت أمرا واقعا بعد الدخول التركي في سوريا على الرغم من أن الهدف من إقامتها لم يعد مواجهة مشكلة اللاجئين قدر ما هو ضمان أمن تركيا، وهي أولى الثمار التي يقطفها الرئيس التركي أردوغان من تفاهماته مع الرئيس الروسي.

الحرب الأهلية في سوريا دفعت القضية الكردية إلى واجهة الأحداث لأن الكرد وجدوا فيها فرصة نادرة لتحقيق بعض من طموحاتهم القومية فهم أكبر أقلية عرقية إذ يشكلون ما يقرب من 9 % من المجموع الكلي لسكان سوريا وهم يقطنون الشريط الحدودي مع تركيا ومعظمهم يتركزون في ثلاثة كانتونات (وحدات إدارية صغيرة سكانيا وجغرافيا) غير متصلة مع بعضها وهي الحسكة وكوباني وعفرين.

وقد عملت قوات حماية الشعب الكردي التي قاتلت دفاعا عن مدينة كوباني ضد تنظيم داعش بعد تحريرها مدينة تل أبيض من سيطرة هذا التنظيم على ربط الحسكة مع كوباني في عمليات صاحبها الكثير من الاتهامات بالتطهير العرقي وتهجير غير الكرد من العرب والتركمان وغيرهم عن مدنهم وقراهم.

هذه العمليات رغم أنها أغضبت تركيا إلا أنها لم توصلها إلى حالة الانفجار الذي حدث لاحقا لأنها تحدث شرق نهر الفرات وقد استحصلت تركيا وعدا من الولايات المتحدة بعدم السماح لهذه القوات بالعبور إلى غرب النهر وهو ما لم يتحقق، فجيش سوريا الديمقراطية الذي حرر مدينة منبج الواقعة غرب الفرات غالبيته من القوات الكردية التي تحظى برعاية أميركية.

تركيا تلصق صفة الإرهاب بهذه القوات وتعتبرها حليفا لحزب العمال الكردي التركي الذي تطارده داخل وخارج أراضيها، خلافها مع الولايات المتحدة يكمن في قضية جوهرية تتعلق بما تعتبره تهديدا لأمنها القومي، وهو تعاطف الولايات المتحدة مع القوات الكردية هذه بما يتجاوز آفاق ومتطلبات الحرب على داعش.

فهذه القوات تسعى لاستكمال ما بدأته شرق الفرات بوصل الكانتونات الكردية في غربه لتضم بذلك الكانتون الكردي »عفرين« الواقع في أقصى الشمال الغربي لسوريا المتاخم للواء الإسكندرون لغرض تأسيس إقليم كردي.

موقف الولايات المتحدة إزاء الأزمة السورية متخبط يفتقر للوضوح والحزم منذ البداية، وها هو ينعكس مجددا في حيرتها أمام الصدام بين تركيا وبين حلفائها الكرد.

فهي مضطرة لرفع الفيتو على تدخل تركيا في سوريا وإطلاق يدها في مناطق غرب نهر الفرات في مواجهة تنظيم داعش ومواجهة حلفائها الكرد الذين لم تمارس من الضغوط ما يكفي لإلزامهم على الانسحاب نحو شرق النهر كما سبق والتزمت به أمام تركيا.