دولة التسامح

ت + ت - الحجم الطبيعي

تعاني بعض دول العالم العربي من تدني مستوى السلم والتعايش، وقد وصلت بها الحال إلى الاقتتال والصراع، وتبدلت لغة الحوار من كلمات وأفكار إلى اقتتال بالسلاح وإراقة الدماء، ولذا وجب علينا أن نعيد صياغة الأمور.

ووضع خطة تعالج المشكلة الأساسية، والتي تكمن بعدم القدرة على التعايش مع الآخر، وليست نزاعاً على منطقة جغرافية فحسب، إنما استحالة قبول الآخر، وبلغة عامية (يا أنا يا أنت)، أي حرب استنزاف للأرواح لا أكثر.

هذه ليست مشكلة تعانيها منطقتنا إنما يعانيها العالم أجمع، فكثيرة هي الاضطرابات بين الطوائف والأديان والملل والمرجعيات، وقد نجحت بعض الدول في السيطرة عليها بموجب القانون الملزم للجميع بالتعايش، ونحن في دولة الإمارات كان لنا الخطوة الاستباقية بإيجاد قانون «مكافحة التمييز والكراهية»، ليس فقط لنبذ التمييز، إنما لمعالجته من البداية، والقضاء على جميع أشكاله.

إن دولة الإمارات مثال للتعايش السلمي العالمي، فوجود أكثر من 200 جنسية من مختلف الأديان والطوائف والملل والثقافات، يتعايشون فيما بينهم، ويمارسون حياتهم الطبيعية دون أدنى مشكلة، فهذا بحد ذاته إنجاز لدولتنا ولقيادتنا، وأيضاً لقوانيننا المنظمة لهذا التعايش.

منذ أن تم إنشاء وزارة التسامح برئاسة معالي الشيخة لبنى بنت خالد القاسمي وزيرة دولة للتسامح، ونحن نؤمن بدورها في تصدير هذا التعايش والسلم المجتمعي داخل الدولة إلى خارج حدودنا الجغرافية، لنصل به إلى العالم أجمع، فالعالم في أمس الحاجة إلى مثل هذه الرسائل لإنهاء حالة التطرف والتعصب والغلو.

والسيطرة على الإرهاب الذي بات يهدد السلم المجتمعي في كل مكان، فمتى ما وصل بالإنسان عدم قدرته على قبول الآخر - رغم الاختلاف - سيتولد بداخله دافع التخلص منه، وهذا ما علينا أن نعالجه بإيجاد بيئة حوار سلمية ينعم بها الجميع.

وقد جاءت خطة الوزارة بمبادرة صوت التسامح، وإنشاء مركز الإمارات للتسامح، وإطلاق برنامج المسؤولية التسامحية، وإنشاء مجلس المفكرين للتسامح، وإطلاق الدليل الإرشادي الإماراتي للتسامح، وقد تابعنا حديث معاليها مع صحيفة «البيان» لنقف على تفاصيل هذه الخطة، ونكون داعمين ومساندين، وأيضاً فخورين بها، ولن نبخل على وطننا ووزارتنا بأن نساهم ونبادر عن طريق أصواتنا وأقلامنا لنشر ثقافة التسامح.

تنتهج وزارتنا خططها لإنشاء دولة التسامح «الإمارات»، لتكون مثالاً يُحتذى به للسلم، وسط تداعيات وتهديدات وصراعات إقليمية على المستوى الديني والطائفي، ولا شك أن أبناء الوطن قد تربوا على التعايش مع الآخرين منذ الصغر، فقد ولدنا على حب المغفور له زايد الخير، وكلماته وأفعاله المرحبة بالجميع.

وتعلمنا من مبادرات ومساعدات صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، للمنكوبين والمتضررين مهما كانت أعراقهم وأصولهم وأديانهم، وأيضاً تعلمنا من أفكار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي ومنهجيته في جعل إماراتنا المكان الأمثل للعيش الكريم دون تفرقة أو تمييز.

لذا علينا أن نضع الاستراتيجيات لضمان استمرارية ما نحن عليه الآن من قيم التسامح والتعايش، والحوار، واحترام التعددية الثقافية، وقبول الآخر من جهة، ونبذ كل أشكال التطرف، والكراهية، والعنف، والتعصبية، والازدراء، والتمييز من جهة أخرى، لكن هذا وحده لا يكفي.

بل علينا أن نربي أجيالنا القادمة على هذه القيم، وأن نجعل من مدارسنا مكاناً للتعايش والسلم، ومن مناهجنا قوانين تنظيمية لاحترام الآخر، ومن وسائل تربيتنا نبذاً للتعصب والكراهية، ومن تعاملاتنا في الأسواق لغةً للحوار والاحترام المتبادل.

صحيح أن ديننا الإسلامي جاء منادياً بمبادئ التسامح والتعايش، وكثيرة هي المواقف في سيرة رسولنا صلى الله عليه وسلم تبين كيفية التعامل مع الآخرين مهما اختلفت مرجعياتهم، لكن وللأسف في عصرنا الحالي تشوهت صورة الإسلام المتسامح جراء بعض الأفكار والأفعال المتطرفة.

وواجبنا نحن كجزء من هذه المنظومة الإسلامية أن ندافع عن ديننا الحنيف بنشر تعاليمه الصحيحة، وإيضاحها للآخرين، ووزارة التسامح هي المعنية في ذلك، وعليها إيجاد مبادرات من شأنها تصحيح صورة الإسلام المغلوطة، والعمل جنباً إلى جنب مع الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف لإعادة صياغة الخطاب الديني المتسامح سواء على المنابر في المساجد، أو في البرامج والرسائل الإعلامية.

إن في إنشاء مجلس المفكرين للتسامح خطوة سباقة وداعمة للدور العالمي للإمارات في ميادين الحوار واحترام الثقافات والأديان دون تمييز، لما للمفكرين والكتاب والأدباء من دور مهم للخروج بمنظومة فكرية تتسم بالتسامح، وذلك لأن التسامح والتعايش في أصله فكر في العقول يترجم لتصرفات وأفعال وأقوال، فإن عمل مفكرونا على تنشئة هذا الفكر وإيجاده على أرض الواقع تطبيقاً، فحينها يمكننا تصديره للعالم أجمع، ونحقق مرادنا ودورنا المنشود.

التسامح والتعايش لغة الرقي والتطور، فهي الداعم الأساسي للاستقرار، وبالاستقرار يمكننا مواصلة المسيرة، ودولتنا ومنطقتنا الخليجية والعربية بحاجة إلى تأصيل مبادئها لننعم باستقرار فقدناه طويلاً.

وقد حان الوقت لنتوقف عن الاقتتال، وأن نركز جلّ تفكيرنا لنبحث عن سبل العيش الكريم، وبالتسامح نكون قد وضعنا أقدامنا على بداية الطريق، فعندما نحترم الآخرين مهما اختلفت مرجعياتهم سنستطيع العيش معهم جنباً إلى جنب، وننعم بالسلام فيما بيننا، ونضع أيدينا بأيدي بعض للتقدم إلى الأمام بخطوات ثابتة وواثقة.

طباعة Email