الإسرائيليون وجدل الحرب الأهلية

ت + ت - الحجم الطبيعي

يفضل بعض الإسرائيليين مواجهة الحقائق العارية والبوح بما تكنه أنفسهم، تجاه ما يتفاعل بين أيديهم ومن حولهم من ظواهر مؤثرة على مصائرهم في الحال والاستقبال.

الرئيس السابق لجهاز المخابرات الخارجية (الموساد) نمير باردو صرح أخيراً أن «.. إسرائيل تقترب من الحرب الأهلية.. وهى تواجه خطراً داخلياً أشد من الأخطار الخارجية.. فالأمور التي تفرق بين الإسرائيليين اليوم أكثر من تلك التي تجمعهم..».

في سياق آخر، وبالتزامن مع هذا التصريح، كتب جدعون ليفي محرر صحيفة هآرتس (26 أغسطس الماضي) إن «.. دولة نصف سكانها من غير اليهود لا يمكنها أن تكون دولة يهودية، وإذا صممت على أن تكون يهودية بالقوة فإنها لن تكون دولة ديمقراطية.. لا يمكن تربيع الدائرة حتى من خلال ألف مقال عن الديمقراطية اليهودية الكاذبة..». وفى فيلم وثائقي، أكد عشرة من رؤساء جهازي الاستخبارات الإسرائيلية الداخلية والخارجية السابقين، أن تسوية الدولتين، تحقق مصلحة عليا لدولتهم في ظل «..التحولات السكانية التي تسير في عكس سياسات التوسع الاستيطاني..».

علاوة على هذه المداخلات، هناك من يتحدثون بشيء من الحسرة والأسى عن افتقاد شريحة واسعة من الشبان الإسرائيليين، تحت سن الثلاثين، للحماسة لمقولات من قبيل قداسة أرض الميعاد والحنين للبقاء والعمل فيها والدفاع عنها، كما أنهم لا يقبلون الفكرة الصهيونية التقليدية حول طهرانية اليهود وعدم قابليتهم للفساد والانحراف الأخلاقي وتميزهم عن سواهم من الجوييم (الأغراب) في السجايا الأخلاقية، وتقديرنا أن سقوط قيادات إسرائيلية رفيعة المقام، مثل رئيس الدولة السابق موشيه كتساف، في خطايا يعاقب عليها القانون بالسجن، كالابتزاز والتحرش الجنسي والرشوة والتعامل مع عصابات المافيا متعددة الجرائم، يعزز أفكار هذه الشريحة.

آراء باردو وسواه من الذين لم يعودوا يخبئون الشمس خلف أصابعهم، تعكس تماماً رؤى مواطنيهم القائلين إن بوتقة الصهر الإسرائيلية فشلت تماماً «.. فالإسرائيليون يعيشون مع بعضهم البعض؛ لكن لكل جماعة منهم عالمها المختلف..». وإجمالاً لا يبدو تلصص الحديث عن الحرب الأهلية؛ التي مازالت باردة حتى الآن، بالحديث المكذوب أو المبالغ فيه.. فاليهود ذوي الأصول الغربية يختلفون في أشياء جوهرية، اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً، عن مواطنيهم المستجلبين من المجتمعات الشرقية، ولا يتساوى هؤلاء وهؤلاء مع اليهود الأفارقة واللاتينيين والروس، وقد بلغت مشاعر السخط من التمييز البنيوي ضد اليهود الفلاشا، أن تظاهر هؤلاء واحتجوا لأكثر من مرة ثم تنادوا إلى تكوين منظمة تتولى الدفاع عن مصالحهم وحقوقهم الأساسية.

وبخلاف التمايز بين يهود ويهود، المؤسس على خلفية اختلاف الانتساب إلى المواطن الأم التي استجلبتهم منها الحركة الصهيونية، ثمة تمايز لا تخطئه العين بين الجميع، ينطلق من حدود الالتزام الديني: بين الموغلين في العلمانية و«عاصمتهم» تل أبيب وبين المتعصبين الدينيين (الحريديم) وعاصمتهم القدس.! وتجدر الإشارة هنا إلى أن العلمانيين يسخرون من الحريديم، معتبرين إياهم أناساً يتشدقون بالحنين إلى أرض الميعاد وإسرائيل التوراتية، بينما لا يكفون عن التهرب من أداء الخدمة العسكرية ودفع ضريبة الدم؛ التي يقتضيها استلاب هذه الأرض من أصحابها.. وبالمقابل، يرد المتطرفون الدينيون على النيران اليهودية الإسرائيلية الصديقة بالمثل، فيصفون العلمانيين بالتهتك ومفارقة القيم الصهيونية وصحيح الدين وانتهاك حرمة السبت.

وقد يهون هذا التمايز متعدد المصادر عند ذكر الصدع بين عموم يهود إسرائيل، وبين قطعان العاكفين منهم على التوسع الاستيطاني في ما تبقى للفلسطينيين من أراضٍ بين النهر والبحر، ولقد بلغ التمايز هنا حد تحذير مسؤولين كبار من أن تمرد المستوطنين وعنفهم يوحي بأنهم دولة في حد ذاتها.

إذا كان هذا المشهد بين يهود ويهود يقود العقلاء منهم إلى التحذير من احتمال الوقوع في حبائل الحرب الأهلية، فكيف الحال بهذا الاحتمال إذا ما أخذ هؤلاء وغيرهم في الاعتبار نوازع الشعب الفلسطيني للاستقلال والانعتاق من سيطرة إسرائيل، وأن عدد أبناء هذا الشعب بين النهر والبحر يكاد الآن يساوي عدد سكان هذه الدولة؟

طباعة Email