مؤسسات «الرَبْع»

ت + ت - الحجم الطبيعي

تقول إحدى النكات السائرة إن شخصاً تقدّم لوظيفة مع آخر أجنبي، فكان أول سؤال في مقابلته للوظيفة بتلك المؤسسة: «ما معنى الترتيب الانتقائي لأبجديات الهوس الأيديولوجي ؟» فرد سريعاً و هو ينهض: «معناها أنكم تبون توظفون الأجنبي» !.

في عالم المؤسسات بشكل عام وفي منطقتنا العربية بشكل أوضح توجد الكثير من التصرفات والسلوكيات السيئة التي تعيق تلك المؤسسات من الوفاء بكامل دورها أو تحقيق ما يفترض أن تصله من مستويات النجاح، وهي سلوكيات ليس مقصوداً بها الإساءة المطلقة و لكنها نتاج تنشئة اجتماعية معينة أو قناعات غير صحيحة أو محاولات غير صائبة لتغطية نواحي القصور النفسي الداخلي للفرد.

واحدة من أسوأ تلك السلوكيات وأكثرها ظهوراً ما يعرف بالمحاباة أو الـ Nepotism و هي أن يكون للمدير مجموعة من الأصدقاء أو المقربين والذين يرحلون معه حيثما رحل، فهم أهل الثقة وأكثر الناس قدرة على أداء الأعمال في نظره ورأيهم هو المقدَّم على الآراء الأخرى حتى لو افتقد للتأصيل العلمي ومقترحاتهم هي المقبولة حتى لو كانت سطحية ولا تقوم على مقاربات ومقارنات موثوق بها، ولكن القضية هي كما يقول المثل:«إذا حبّتك عيني ما ضامك الدهر» !.

إنّ المحاباة المؤسسية تمثل صنفاً جديداً من الطائفية التي ما وطئت أرضاً إلا أفسدتها و قسّمتها، فما لم تكن من المقرّبين وإلا فلن تجد نفسك في الصفوف الأولى ولو كنت جاك ويلش نفسه، ومالم تكن من «ربع» سعادة المدير أو المديرة وإلا لن تذهب بعيداً مهما امتلكت من مواهب و قدرات، وما يزيد الأمر صعوبة أن الموهوب لا يرضى بحالٍ من الأحوال أن يجعل التملّق و«دهان السير» أسلوباً للظهور أو الحصول على الحظوة لذلك ترسّخ فئة المقربين جذورها، وحرصاً منها على بقاء أفضليتها تلك تقوم بتهميش الموهوبين وملء شواغر المؤسسة بأمثالهم من أنصاف المتعلمين والذين لايشكلون تهديداً على وجودهم أو وضعهم الاستثنائي !.

إن الإتيان بالأصدقاء و«الربع» دليلٌ واضح على ضعف ذلك المدير وعدم إحساسه بالأمان ورغبته في إحاطة نفسه بشبكة من المقربين لدعم قراراته وحتى لا يشعر أن وجوده مهدَّد أو أن انكشافه على بقية الموظفين سيعرّي قدراته الفعلية، وحينها يفقد المدير تماماً قدرته على ممارسة دوره الشخص الملهم بعد سقوط مصداقيته أمام موظفيه و لن تعني تلك الملصقات التي تُزيّن جدران المؤسسة من رؤية ورسالة وسلسلة قيم عليا أي معنى والجميع يرى أن الممارسة الفعلية تقوم على نقيض الكفاءة والشفافية والعدالة وتقديم الصالح العام وأنّ أول من يناقضها هو المدير نفسه !.

هو سلوك مؤلم لأنه ببساطة يقول لك بأن الأولوية ليست للكفاءة والمؤهلات العالية أو الخبرات الطويلة، وإنما الأولوية أن يُغطي على «خواء» و«قحط» السيرة الذاتية لذلك شخص جزئية أنه صديق المسئول الفلاني أوالمسئولة، والحقيقة تقول إنه لو لفّ كل مؤسسات الدنيا الناجحة فلن يجد له أي موضع قدم هناك لأنه ببساطة لا يملك شيئاً لكي يضيفه فضلاً عن أن يستطيع أن يخلق فارقاً !.

يقول جاك ويلش أحد أساطير الرؤساء التنفيذيين وأكثرهم نجاحاً:«مهمتي الرئيسية كقائد أن أعمل على تطوير الموهوبين بشركتي، كنت كالفلاح الذي يتعاهد نباتاته بالسقيا والرعاية حتى تثمر، لكن بالتأكيد كان عليّ اقتلاع بعض الحشائش الضارة»، للأسف أن هذه الحشائش الضارة هي من تحتكر المشهد في بعض المؤسسات وتعيث بها خراباً لضعف القدرات لا لسوء النيّات !.

في بعض المؤسسات الأميركية والتي يقوم التعيين فيها بناءً على اختبارات دقيقة لضمان تعيين الأفضل، افتضح أمر عدد منها و التي يفوز فيها بعض المتقدمين من «الربع» و أصدقاء أو أقرباء أحد كبار المسؤولين بالشركة ليس لقدراتهم العالية وتفوقهم على البقية و إنّما لأن «ورقة الأسئلة» تصلهم مُسبقاً، طبعاً العرب نافسوهم بطريقة جيدة ونحن نرى أن بعض الوظائف يتم «تفصيلها» وتحديد متطلباتها من خلال دمج وإذابة وظائف واستحداث أخرى لا تنطبق إلا على صديق المدير أو قريبة المديرة!.

التأثير الأكبر لهذا السلوك السيء سيكون على بيئة العمل حيث تقل انتاجية الموظفين لتردي حالتهم النفسية وافتقادهم للشعور بالعدالة في المعاملة وإحساسهم بأن الترقيات المستقبلية لن تذهب بعيداً عن الأصدقاء إيّاهم، وتصبح عندهم كل قرارات الإدارة محل شبهة وتنشأ عادة سيئة بالشعور بالغبطة و«رد الاعتبار» كلما فشل ذلك الشخص «الـمُحابى»أو أخطأ في قراراته أو أساليب عمله رغم أنّ المتأثر الفعلي هو المؤسسة ككل والمتضرر سيكون المتعاملين معها من المجتمع المحلي، وتبدأ في التشكّل ظاهرة اخرى تتمثل في خروج الموهوبين تباعاً والتي يُفسّرها سعادة المدير دوما بأنّ السبب أنهم «حصلوا على Offer أفضل» بينما الحقيقة تقول إن الموظف لا يستقيل من المؤسسة ولكن يستقيل من مديرها !.

من الحلول لمعالجة هذه المشكلة أن لا تتم مواجهة المدير بشكل طرزاني وإخباره بأن الشخص الذي اختاره يفتقد للقدرات والخبرات التي تحتاجها الوظيفة، لأن هذا الشيء يوصل رسالة ضمنية تقول له:«أنت لا تعرف أن تختار أحداً ما دمت تأتي بمثل هذا الفاشل»، لذلك تأكد أن الجواب لن يكون بما يروق لك، والأنسب أن يكون النقد موضوعياً بالتركيز على امتعاض العملاء من خدمات المؤسسة في ذلك القطاع الذي يشرف عليه ذلك الشخص أو تردي انتاجية الموظفين الذين يعملون تحت إشرافه، لا يمكن أن «يُطنّش» المدير هذه الحقيقة المرة لأن صورة المؤسسة تمسّه شخصياً وعليها مدار بقاءه أو رحيله !.

إنّ العمل أمانة، و المسؤول مؤتمن، والمؤسسة لن تستطيع الوفاء بالطموحات المناطة بها إن كان بناؤها الداخلي هشّاً، ولن تقدر على مواكبة سرعة التغيير ومتطلبات المستقبل إن كانت المحسوبيات هي من تحدّد المقبولين للتوظيف، فحتى الأستاذ Google نفسه حينها لن يعرف: «الترتيب الانتقائي لأبجديات الهوس الأيديولوجي» !

طباعة Email