في الفارق بين الفهم والتبرير

ت + ت - الحجم الطبيعي

تميل كتابات بعض المشتغلين بالصحافة إلى نوعٍ من الوصف والتبرير، وليس إلى الفهم والتفسير، وليس هذا فحسب بل إن الميل إلى التبرير يكاد يكون طاغياً في الخطاب العربي، وهذا ـ لعمري ـ أمر يرتقي إلى مستوى الاعتداء على الإنسان العربي وعقله، كما يشير إلى عدم احترام المتلقي.

فالتبرير، بالمعنى الذي أقصد، هو اختلاق أسباب غير حقيقية لشرعنة سلوك لا يحوز على احترام الهيئة الاجتماعية أو جماعة صغيرة، أو فرد، وغالباً ما تكون هذه الأسباب المختلقة مقبولة.

هذا التعريف للتبرير يقودنا إلى القول إن التبرير شكل من أشكال الكذب، وكل كذب هو كذب على الآخر؛ لأن صاحب التبرير يخفي الحقيقة ويقول زيفاً بدلاً عنها، كما يدرك عار ما قام به فكذب ليخفيه.

التبرير الذي قدمته أميركا وبريطانيا لاحتلال العراق هو امتلاك العراق أسلحة نووية. تبرير كهذا يخفي الأسباب الحقيقية وراء احتلال العراق، وبالتالي هو نوع من الكذب على مواطني أميركا وبريطانيا وشعوب العالم أجمع.

ميليشيا حزب الله الطائفي بررت دخولها بالصراع في سوريا إلى جانب النظام على أساس رغبته في الحفاظ على أضرحة آل البيت، محاولاً إخفاء السبب الحقيقي المتمثل في الدفاع عن النظام. وقس على ذلك عشرات الوقائع التي يخفيها أبطالها ومن والاهم وراء التبرير.

المبرر سياسياً سواء كان صحفياً أو محللاً استراتيجياً يفترض أن السامع والمشاهد والقارئ قابل للخداع وتصديق الأكذوبة، في وقت أصبحت المعرفة في متناول الناس من مئات المصادر، والوصول إلى حقيقة الأشياء والوقائع.

إذا كان هذا هو التبرير فإن الفهم هو النقيض له. الفهم كشف عن الشروط والأسباب الواقعية لحدوث ظاهرة من الظواهر أو حادثة من الحوادث حتى لو كان الفهم ذَا طبيعة احتمالية لنقص في المعلومات.

الفهم جواب عن سؤال «لماذا؟»، ولكن يجب أن تكون «لماذا» أداة فهم وليس أداة تبرير، لأن التبرير هو جواب عن سؤال «لماذا» الزائفة وليست الحقيقية.

إن فهم الظاهرة من حيث الكشف عن شروطها وأسبابها وأهداف الفاعلين فيها هو الذي يسمح لنا باجتراح حلول ناجعة، ومواجهة عقلية تحررنا من الأوهام. الفهم هو تقصٍ وتحليل وتركيب منطقي لا مكان فيه للرغائب الذاتية. وهو في الوقت نفسه نقد للمعرفة الزائفة التي تختفي وراء المصلحة.

تبرز أهمية الفهم أكثر ما تبرز حين تعصف بالمجتمع أزمة ما تنذر بحدوث أخطار غير محمودة، وكيف لمجتمع ولمؤسساته أن يواجه أزمة خطيرة دون فهمها سواء كانت أزمة اقتصادية أو أزمة سياسية.

حين اشتدت أزمة النظام السياسي في سوريا لم تحاول السلطة أبداً أن تفهم أسبابها الموضوعية والذاتية بل اكتفت بالاعتقاد بأنها أزمة عابرة سببها تآمر جزء من الشعب على السلطة وراءه قوى خارجية.

حسناً حتى لو كان الأمر كذلك، وهو ليس كذلك، فلماذا وجد الخارج في جزء من الشعب من يتحالف معه في إنجاز المؤامرة ؟

إن كل أسئلة الفهم لم يكن لها حضور في عقل الحاكم فكان ما كان. وقائل يقول إن الحاكم يعرف ويفهم لكنه لا يريد أن ينطلق من مواجهة المشكلة انطلاقاً من الفهم لأنه إذ ذاك سيكون مجبراً على إنجاز تغيير من شأنه أن يفقده البنية التي تحمله وتبقيه، وهذا ما هو أخطر من عدم الفهم لأنه يواجه العلة بما ليس من طبيعتها فيقع في ورطة أكبر.

 

طباعة Email