جمعني حوار مطول على انفراد مع الخبير العالمي الأميركي «براين تريسي» أحد آخر جيل عمالة التدريب القيادي والإداري، ممن ما زالوا على قيد الحياة، لا سيما بعد أن رحل عنا كوكبة من أبرز نجوم التدريب في العالم كان آخرهم د. ستيفن كوفي صاحب كتاب «العادات السبع للناس الأكثر فعالية».
وجهت إليه أسئلة عدة لأنقلها للقراء العرب، منها معنى كلمة «النجاح» التي استهلكت كثيراً في عالمنا، فقال إن الفارق بين الناجحين وغير الناجحين هو أن «الناجحون هم من يفكرون ويتحدثون دوماً عن الأمور التي يريدون تحقيقها، أما غير الناجحين فهم الذين يشغلون أنفسهم بأمور هامشية، ثم يلومون من حولهم في عدم تحقيقهم لأهدافهم المهمة، هذا إن كان لهم أهداف». فهو يرى أن الإنسان هو حصيلة ما يفكره فيه دوماً. واتفق معه، فالانشغال اليومي بتوافه الأمور يصرفنا عن عظائمها.
ولفت إلى قضية مهمة وهي أن «الناجحين هم من يستخدمون قانون الاحتمالية الإحصائي Probability، الذي يقوم على فكرة أنك كلما حاولت أكثر كانت فرصتك في النجاح أكبر. ولذا فإن الفارق بين غير الناجحين والناجحين هو أن الأول يحاول مرة واحدة، أما الناجح فإنه يحاول مرات عدة حتى ينجح».
شخصياً اتفق معه بجزئية هذا القانون، الذي درسناه في مواد الإحصاء، لأنه ينسجم مع قصة نجاح كل شركة كبرى رائدة وحكومة ناجحة. فهذه الهواتف الذكية، والسيارات والطائرات والأدوية وغيرها كلها جاء بعد محاولات مضنية من التجربة والخطأ ومحاولة تجنب إعادة اكتشاف العجلة. باختصار يبدؤون من حيث انتهى الآخرون ولا يلجأون «لمبدأ العجلة» إلا عند ابتكار شيء جيد كلياً.
سألته عن عقدة الخشية من التغيير في عالمنا، وتوجس الناس خيفة من توجهات بعض أرباب أعمالهم وحكوماتهم التي تحاول تغير السائد لما تراه مستقبلاً أفضل. فقال أظهرت دراسة لجامعة هارفارد ثلاث تنبؤات رئيسية مهمة بخصوص التغيير، وهي:
«أننا سنعيش مرحلة تغيير أكثر من أي وقت مضى، ومنافسة حادة أكثر من أي وقت مضى، وستتاح أمامنا فرص عدة أكثر من أي وقت مضى». وما قاله نتيجة وجيهة، يعني أن التغيير قد يجلب معه فرصاً جديدة، فحينما يتم تحويل مديرك إلى إدارة أخرى أو يُستغنى عن خدماته، قد تكتشف أن أبواب الفرص قد انفتحت على مصراعيها لك وللجيل الثاني التواق لفرصة يعبر بها عن قدراته.
تحدثنا عن حل المشكلات، فهو يرى أننا نبالغ في التنظير لحل المشكلات إذ يعتقد أن «حل المشكلة يكون بكتابتها بصيغة سؤال، ثم تحديد ما لا يقل عن 20 إجابة عن سؤال المشكلة، بعدها يتم اختيار أفضل حل ثم البدء في تطبيقه فوراً. هذه الطريقة يمكن تطبيقها في أي اجتماع أو إدارة وحتى في مشكلاتنا الحياتية الاعتيادية».
ولم ننس جانب التطوير الذاتي، الذي أحب أن يلخصه في أن الإنسان يجب أن يعتبر نفسه بمثابة الأصل الذي لابد أن يتطور وينمو باستمرار، ومن ذلك، ضرورة ادخار 3% من دخله ليستثمرها بحضور دورات تدريبية في مجالات تهمه، فضلاً عن شراء الكتب والألبومات السمعية حتى يتقدم في حياته ويمتاز عن نظرائه. والقراءة يومياً في الصباح الباكر لمدة 30 إلى 60 دقيقة قبل أن يزدحم الجدول بالمشاغل المتعددة.
وإعادة كتابة الأهداف الصغرى والكبرى في كل صباح. لأنه كلما استخدم الشخص حواسَّ أكثر كان تفاعله مع أهدافه أكبر. أما ما ننساه أحياناً فهو وضع قائمة بالمهام Task والأهداف اليومية Goal والأهم التفريق بينهما بحسب الأولويات. وألا ننسى أهمية الموازنة بين الأدوار الحياتية.
خلاصة كلامه أن ذلك كله لا يأتي من فراغ، فكل الأمم الناجحة «خططت ونجحت... وهذه فرصة أمام أمتكم».