المواجهة الممتدة للغزوة الاستعمارية الاستيطانية الصهيونية، أجبرت المجتمع الفلسطيني على التعلق بوشائجه التقليدية، كالعصبيات القبلية العشائرية والجهوية، ضمن أدوات الدفاع الذاتي عن الوجود، وكان من تداعيات هذه الظاهرة، عرقلة الانخراط في مقتضيات الاجتماع السياسي الحداثي، القائم على التعددية السياسية الحقيقية، رغم بروز قنواتها ومظاهرها، وأهمها انتشار التنظيمات الحزبية الشهيرة بفصائل المقاومة.

من قراءة السوابق، تبدو الانتخابات البلدية المناسبة الأكثر إفصاحاً عن استمرارية تأثير الأطر الاجتماعية الموروثة، ففي غضونها، تتجلى نداءات هذه الأطر بلا مواربة، وتكاد الأحزاب والفصائل أن تتحول إلى قبائل سياسية، ولا أدل على ذلك من استنفار مرشحي قيادة العمل البلدي لعائلاتهم ومناطقهم، جنباً إلى جنب مع الاستناد إلى أحزابهم وفصائلهم.

لتحليل هذه الظاهرة، ربما احتاج المتابع إلى استجلاء الفارق بين التعدديتين، الاجتماعية المطبوعة الموروثة، والسياسية المصنوعة غير الإرثية، وهما في الحقيقة مفهومان مختلفان من حيث المبنى والمعنى.

التعددية الاجتماعية الموروثة، تتأسس عموماً على ما تستشعره الجماعات من تباينات في ما بينها لجهة الدين أو القبيلة أو المذهب أو القومية والأصول الإثنية، بينما تقوم التعددية السياسية على فحص هذه التباينات وبواعثها طولاً وعرضاً وعمقاً داخل الجماعات، وتخطي الحواجز التي تنصبها بين قبائل المجتمع وطوائفه ونحله، وتؤدي هذه الوظيفة التكاملية أو التجميعية الحداثية بامتياز، القوى والأحزاب السياسية والتنظيمات المدنية الفئوية المصلحية القائمة على الاختيار، ذات البرامج العابرة للمكونات الأولية.

فإن حدث ذلك، من خلال صيغ دستورية وانتخابية، بتنا بصدد الدولة الوطنية، دولة كل مواطنيها، حسنة المظهر والمخبر على طريق الممارسة الديمقراطية. أما ترجمة الولاءات والانتماءات الموروثة الأولية للجماعات في شكل قوى وأحزاب تنافس على الحكم والسياسة بالتوالي والتوافق أو بالانتخاب، فإنها تفضي إلى تأبيد هذه الولاءات وتعريض المجتمع (الدولة؟) للتشظي أو الصدام الداخلي عند أي لحظة مصلحية فارقة. النظام الذي ينشأ عن هذه الترجمة، يأخذ صورة عامة، تبدو فيها الجماعات وقد اصطفت إلى جوار بعضها البعض، بدون تفاعل أو تداخل وانغماس حقيقي بينها، ومهما خلصت النيات، فسوف تتلصص في مناسبات ومواقيت بعينها عمليات التنافس على الموارد والأدوار، ما يؤذن بانهيار البناء (النظام) عند أو منعطف يصعب فيه تنظيم هذه العمليات.

الأمثلة والنماذج بهذا الخصوص كثيرة، ومن قراءتها نعثر على نظم تصدعت، وأدى التدافع المصلحي «ما دون الوطني أو القومي» داخلها، إلى الذهاب بريح الدولة كلها. حدث هذا في يوغسلافيا السابقة بالعنف، وفي تشيكوسلوفاكيا السابقة بالتراضي.. وهناك مؤشرات قوية على أن دولاً عربية مرشحة للوقوع، أو أنها وقعت بالفعل، في حبائل هذه النماذج.

التعددية السياسية المستندة إلى برامج فوق قبلية وعشائرية ودينية وطائفية وإثنية، هي الأقدر على الأخذ بيد الجماعات إلى رحاب مستقبلية، يتعايش فيها الجميع في كنف دولة وطنية أميل للديمقراطية.. دولة لا يستصرخ فيها الفرد بنى عشيرته الأولى، أو قوميته أو ديانته أو طائفته أو منطقته، ويلوذ بهم عندما يرى أن مصلحته الذاتية الضيقة «دون الوطنية» تستدعي ذلك.

غاية القول، أن تسييس «المصفوفة الاجتماعية» بدون آليات ومداخل تؤدي إلى التقاطع والاتصال بالتفاعل المعقد، الذي لا يسهل الفكاك منه بين وحداتها، يرسخ القطيعة داخلها وبينها، ويقيم نظاماً آيلاً للتصدع والسقوط، وهنا تبرز خصوصية الحالة الفلسطينية، ففي سياق مقاومة غزوة استيطانية إحلالية جبارة، تستهدف استئصال المجتمع من جذوره وإلقاءه على قارعة التاريخ والجغرافيا والاجتماع الإنساني، وضعف القدرة، حتى لا نقول انعدامها مطولاً، على التحكم في سيرورة التطور السياسي، لاذ الفلسطينيون بأطرهم الأولية، وكانت البلديات والممارسة البلدية، علاوة على الدواوين العائلية والقضاء العشائري، أحد أهم أدوات الحفاظ على الاجتماع الإنساني، وأحد قنوات التعبير السياسي.

في النماذج الاجتماعية المعتادة، لا يستحسن مثل هذا التوجه، والأفضل هو الفصل ما بين العمل البلدي الخدمي عند قاع المجتمع، وبين الممارسة السياسية الحزبية الساعية إلى صناعة القرار السياسي عند القمة، لكن الخلط الفلسطيني بين البلدي والسياسي، يجد تبريره وتفسيره في السياق التاريخي الاجتماعي الثقافي لهذه الحالة شبه المتفردة، التي لا يجوز القياس عليها، إنها عبقرية الاستجابة للتحدي الاستعماري الاستيطاني.

ومع تقديرنا لهذا الاستثناء، إلا أنه من الضروري السعي إلى الفكاك من إساره، بالتوازي مع تطوير البنى السياسية على طريق الاستقلال والدولة، الحالة الفلسطينية باتت من النضج على هذا الطريق، بحيث تستطيع الانعتاق بشكل تدريجي من تغول البلدي على السياسي أو العكس.. وذلك بأن تدع ما للبلديات للبلديات، وما للأحزاب السياسية للأحزاب والفصائل.