يُعرف الإنسان بأنه كائن عاقل ناطق ويفكر. وإذا ما أراد شخص أن يغلظ في القول لأحد لم يجد ما يستحسنه من كلامه قال له: «إنك لا تفكر». وسلب ملكة التفكير عن شخص يعني النظر إليه على أنه من صنف العجماوات. والحق ليس هناك إنسان على وجه الأرض لا يفكر. لكن التفكير ليس واحداً عند جميع البشر وإن كان جميع البشر يتوافرون على ملكة التفكير. ولهذا فإن الحديث في علم النفس والفلسفة عن مستويات التفكير. وليس لي رغبة في إرهاق القارئ غير المتخصص بمشكلات التفكير ومستوياته، بل سأطرح على الناس قضية التفكير السليم.

يعبر التفكير عن نفسه بواسطة الكلام ولهذا هناك ترابط بين اللغة والتفكير إلى الحد الذي يسمح لنا بالقول إن اللغة هي التفكير وإن التفكير هو اللغة.

والأدوات الأساسية للتفكير هي المفاهيم. والمفاهيم هي كلمات - أسماء تدل على أشياء: إنسان، طريق، مجلة، طعام، بيت، الخ. وفي الحياة اليومية لكي نفكر نستخدم مئات المفاهيم الشائعة. وبالتالي فإن البشر في حياتهم العادية يفكرون وفق مفاهيم الحياة العادية. هذا المستوى من التفكير عملي جداً وشائع بين الناس أجمعين من شرق الأرض إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها.

ولكن هب أن شخصاً أراد أن يفكر بالكون فهل يستطيع أن يفكر بالكون بمفاهيم الحياة اليومية؟ أو هل يستطيع أن يفكر دون أن يكون ممتلكاً لمفاهيم علم الفلك ودلالاتها، كالحركة وسرعة الضوء، والانفجار الكبير، والثقب الأسود، المادة المظلمة والطاقة المظلمة الخ. إذا راح يشخص يتحدث عن علم الفلك دون أن يمتلك مفاهيم علم الفلك فإنه عملياً لا يفكر. فالتفكير العلمي مستحيل دون مفاهيم العلم.

فمستوى التفكير العلمي يتحدد بمفاهيم كل علم من العلوم وليس بمفاهيم التفكير العادي الذي يتحدد بمفاهيم الحياة اليومية العادية.

ولقد لاحظت ظاهرة عامة في الوطن العربي راحت تستفحل وهي أن عدداً ممن يتحدثون في مجال المشكلات الاجتماعية والسياسية لا يمتلكون العدة المفهومية للعلوم الإنسانية فتراهم لا يفكرون.

فهم يستسهلون الحديث في عالم السياسة عبر أحكام القيم والقَدْح والذم التي لا تقول شيئاً عن الواقعة السياسية.

كيف يمكن الآن أن نكر ونقدم خطاباً في فهم ما يجري في بعض بلدان العرب دون أن عدة مفهومية خاصة مستخدمة في الفكر السياسي أو علم السياسة أو الفلسفة السياسية كمفاهيم: الدولة، وصورة الدولة ونمط الدولة، والسلطة، والعصبية، والذهنية، والمصلحة، والأيديولوجيا والطبقة، والفئة، والنخبة، والعلاقات الدولية، والقانون الدولي، والفاشية، والديمقراطية، والدكتاتورية، وعبادة الفرد، والشعب، والأمة، والمجتمع المدني، والعنف، والحزب، والنقابة، الخ.

وقائلٍ يقول هل إذا فكر الإنسان باستخدام هذه المفاهيم يكون تفكيره صحيحاً؟ طبعاً ليس بالضرورة أن يكون تفكيره مطابقاً للواقعة، ولكن الاختلاف يظل في حقل التفكير العلمي فقط الذي قد تفسده المصلحة والانحياز. فضلاً عن ذلك إن هذه المفاهيم هي جزء لا يتجزأ من مناهج التفكير العلمي.

ولعمري إن الحوار بين طرفين، أو بين شخصين حول مشكلة من المشكلات مختلفين في مستوى التفكير أمر مستحيل، فالحوار لا يكون إلا بين بشر يفكرون في حقل واحد من مستوى التفكير.

وهنا تواجهنا مشكلة من أعقد المشكلات، ألا وهي كيف تقدم خطاباً علمياً بعدة مفهومية خاصة إلى جمهور لا يتوافر على فهم هذه المفاهيم. هنا لا بد من الشرح والتبسيط من جهة، ورفع مستوى وعي الناس موجهة أخرى، والتبسيط والشرح يجب ألا يدفعا الباحث أو المفكر أو المتخصص للإطاحة بالمعرفة، بل على الضد من ذلك، يجب أن يقول قولاً علمياً يدفع الناس للتفكير والارتقاء والشعور بالحاجة إلى المعرفة.