00
إكسبو 2020 دبي اليوم

لماذا فشل «الربيع العربي»؟

ت + ت - الحجم الطبيعي

لم يمر على جموع العرب، على اختلاف مذاهبهم وأعراقهم، صدمات كالتي فجعتهم في سنوات ما بعد «الربيع العربي»، أجيال رضعت حكايات، ونظريات، ومواقف، وأخلاقيات بانت في النهاية أنها مجرد تزوير أو سراب. البطل ليس بطلًا، والقومي ليس عروبياً، والإسلامي مجرد باحث آخر عن السلطة.

وهذه مجرد أمثلة، كان حزب الله في نظرهم، ولثلاثين عاماً مقاومة، ثم اتضح أنه لا يعدو كونه ميلشيا مستأجرة. باعوا لجماهير المنطقة أن سوريا دولة الممانعة والصمود الأخيرة بعد توقيع الأردن ومصر اتفاقيات سلام مع إسرائيل، ليكتشفوا أنها مجرد نظام أكثر عداوة وطائفية ووحشية من العدو الإسرائيلي، وما مواقف الصمود إلا مسرحية أخرى.

في نفس سياق الخرافات كانت إيران الدولة ألإسلامية التي تمثل للبعض عنوان الصمود ضد الغرب والمدافع الأول عن الإسلام وقضاياه، ثم اتضح لهم مما ترتكبه في لبنان والعراق وسوريا أنها ألحقت الأذى بغالبية العرب والمسلمين أعظم من أي عدو آخر.

كما ثبت أن تنظيم «القاعدة» و«داعش» وغيرهما، التي استخدمت الإسلام وسيلة وارتكبت من الإجرام ما سيجعلها علامة ثابتة في التاريخ، أنها ليست سوى واجهات لأنظمة وجماعات شريرة.

مر عهد من المظاهرات كان يتم تنظيمها وتسييرها في دمشق، وبيروت، والقاهرة، والدار البيضاء وغيرها من عواصم المنطقة دعماً لصمود «المقاومة» في جنوب لبنان، أو دعماً عن مواقف الأسد وإيران ضمن سنوات الخداع الطويلة. وفي نفس السياق كانت آلاف الأخبار والقصص الصحفية والمقالات تدبج ثناء على هذه القوى «الوطنية» و«العروبية» و«الإسلامية».

وبعد انكشاف أكبر خديعة في تاريخ ذاكرة الإنسان العربي، هل يمكن أن نقول إن الصورة باتت واضحة، ونحن على مشارف سنوات الوعي؟ لا، لست مقتنعاً بعد بأنه تم تصويب الحقائق، ولا تحقق تثقيف المواطن العربي الذي اختطف عقله منذ منتصف القرن الماضي.

فقد تعاقبت أجيال ظلت حبيسة المؤسسات الثقافية الرسمية التي تعمدت تزوير الحقائق ضمن مشاريع التوجيه السياسي، وتوارثتها أنظمة عن أخرى. كان الاهتمام والتركيز على التعبئة الدعائية السياسية حتى صارت ثقافة مشتركة في المنطقة، وبسببها تحولت الدوغمائية إلى حالة حاكمة.

في المقابل يفسر الانعتاق من الماضي القريب لماذا دول جنوب شرق آسيا، مثلاً، تجاوزت أزماتها التي أعقبت صراعات مرحلة ما بعد الاستعمار، وقبلها أيضاً دول اليابان. ولاحقاً التحقت بها دول شرق أوروبا عندما تجاوزت الحقبة السوفييتية وكانت تعاني من نفس الحالة التي مرت بها المنطقة العربية.

أما لماذا التشكيك في قدرتنا على الخروج من نفق ستين عاماً من الدوغمائية، فالسبب أننا نرى كيف تحل محلها اليوم دوغمائية أخرى. وطالما أن أحلام السيطرة والبطولات لاتزال الفكر المهيمن عند قادة وحكومات المنطقة فسيبقى الإنسان عندها أرخص ما يمكنها التضحية به، ولا تبالي بتبديد مقدرات بلدانها والمنطقة، ولن يوجد حساب أو حتى مساءلة.

وليس استحضاراً للخصومات السياسية أو تصفية الحسابات بيننا في منطقة الشرق الأوسط لكن المرء يعجز عن أن يجد مبرراً لدولة مثل إيران ضيعت ثلاثة عقود من المواجهات الدونكشوانية، في حين أنها تملك ما يؤهلها أن تصبح دولة إقليمية كبرى مزدهرة.

في الغرب نحو خمسة ملايين إيراني، نسبة كبيرة منهم، على درجة من التعليم والكفاءة اختاروا العيش بعيداً عن حياة العسكرة في بلدهم. وهو ينطبق على معظم الأنظمة العربية، حتى تلك التي لم تنخرط في حروب، لكنها ظلت منغلقة على نفسها منذ صراعات الحرب الباردة.

هل تعرفون لماذا فشل «الربيع العربي» في اليمن وسوريا وليبيا ومصر؟ ليس لأن هناك مؤامرة على الشعوب، بل لأنها لم تؤهل لتحمل رسالة جديدة غير تلك التي اعتادتها، لهذا تحررت لساعات أو أشهر من أنظمة سيئة ثم عادت ووقعت في نفس الأزمة لما قبل الربيع، تصارعت على الاستفراد بالحكم، والموارد، والديانة، والمذهب، والرأي الواحد.

وبدون أن يؤمن الناس بالمبادئ الرئيسية، التي تمثل أعمدة الحضارة الحقيقية، فإن كل ربيع مجرد اغتصاب جديد لكراسي الحكم. الربيع الحقيقي هو ذلك الذي يحمل مبادئ تدعو للتعايش، والاحترام، ونبذ الحروب، والتحول نحو تنمية الإنسان، ورمي الماضي القريب بصراعاته وخلافاته خلفنا. الربيع لا يصل قبل موعده.

طباعة Email