معظم الإسرائيليين يفركون أيديهم طرباً وتشفياً إزاء ما يعتمل في محيطهم الإقليمي من تفاعلات عاصفة. مشاهد الصراعات من حولهم، الساخنة الدموية منها والباردة، تعرض أمام الخلق أجمعين نموذجاً حياً لا تخطئه الأعين، يمكن استخدامه في إعادة تسويق صورة إسرائيل الدولة كواحة للاستقرار والديمقراطية وانسجام الاجتماع السياسي، تعيش بين مجتمعات سلطوية، مشحونة بمظاهر الاضطراب والكراهية.

كانت هذه الصورة قد تعرضت للشحوب ولمحنة التهافت وعدم الصدقية، في ضوء اندلاع أحداث «الربيع العربي».. ومؤخراً، أضاف الصهاينة والإسرائيليون ومشايعوهم إليها، فكرة أن العالمين العربي والإسلامي هما المنتجان والمصدران الرئيسان للإرهاب على الصعيد الكوني.

لا يوجد كيان في هذا العالم، يمكنه الاغتباط والنشوة عند تعرض الجيران للقلاقل والتباغض والاحتراب داخل مجتمعاتهم، أو في ما بين هذه المجتمعات. وحدهم الإسرائيليون تقريباً من تنتابهم مثل هذه الحالة. وليس لهذه الحقيقة أن تصدم أحداً. نحن هنا بصدد كيان غير مألوف، تصدر عنه مواقف وسلوكيات غير مألوفة، كيان يعد الخوف والترقب من أهم المواد اللاصقة بين أفراده وجماعاته، فلماذا لا يسعد بانتشار الحرائق وعدم الاطمئنان في بيوت الجيران؟ أين المفاجأة؟.

واهم من ظن أن «الجار» الإسرائيلي يكتفي بمتابعة ما يدور في محيطه دون أن يحرك ساكناً، الأقرب إلى المنطق والسوابق، وإلى طبيعة الوظيفة التاريخية الاستراتيجية المنوطة بإسرائيل، إنها تمارس أدواراً خطيرة في تأجيج النيران الإقليمية، سواء تم ذلك لتحقيق أهداف ذاتية أو خدمة للقوى الحليفة والداعمة، لا سيما في عالم الغرب، وعلى الرغم من هذه البديهية، فإن بعض الإسرائيليين لا تعجبهم محاولة نخب الحكم والسياسة في تل أبيب، المداراة على هذه الأدوار أو التمويه عليها، ويقود هذه الفئة المتبجحة، القوى السياسية والمدنية التي تضع الاستيطان بعامة، وتهويد القدس بخاصة على رأس أجندتها وأولوياتها.

يتعلق حديثنا بالإسرائيليين الذين ينادون جهرة بتخلي دولتهم عن موقع المراقب لحالة التيه العربي الراهنة، إلى موقع الطرف المبادر إلى استغلال هذه اللحظة في انتزاع مكتسبات، وتحقيق مطامع كبرى طال التحفز لإنجازها.

مثلاً، يزعق كلمان لبسكند (معاريف 15 أغسطس الجاري) في وجه صناع القرار الإسرائيلي، مطالباً إياهم بحسم قضية السيادة على الحرم القدسي، بحيث تكون لهم وحدهم بلا شريك، وهو يعتبر أنه قد لا تأتي لحظة مواتية لهكذا تحول فارق، كما هي اللحظة الراهنة «فالزمن الذى يمكن أن يعتقل فيه اليهود في الحرم، لأنهم همسوا بالصلاة، يجب أن يتغير، لقد حان وقت القرار، فإما أنه حرمهم وإما أنه لنا..».

مثل هذا النداء الحازم، لا يأتي من فراغ، ولا يشكل صرخة في برية. بين أصحاب القرار السياسي والاستراتيجي، وفى طليعتهم بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء وشركاؤه الحكوميون، من يستمع ملياً ويتبنى الاعتقاد بأنه حان فعلاً وقت حسم مصير القدس. فالضجيج والصخب وقرقعات الهدم والبناء والتغيير، التي تجتاح فضاء العالم العربي، هي من القوة، بحيث يمكنها التغطية على لحظة الحسم المطلوبة. وفى السياق، ثمة من يهمس بأنه حتى لو احتاجت هذه اللحظة إلى تقويض المسجد الأقصى تحت أي حدث أو فعل يمكن فبركته، فإن التفاعلات الجارية عربياً وإسلامياً لن تخرج عن السيطرة.

يقول الصهيوني لبسكن «.. لن يجدى ألف خطاب عن القدس عاصمتنا إلى أبد الآبدين، ولا ألف تصريح عن عالم العالمين، ولا عن الملك داوود وعن ثلاثة آلاف عام، إذا كانت حكومات إسرائيل على أجيالها ترفع يديها وتتنازل عن جبل البيت، عن مركز المدينة ولبابها..». ولعل لسان حال الكثير من العرب والمسلمين يقول إن ألف خطاب عن عروبة القدس وإسلاميتها، وألف مؤتمر وندوة وكتاب عن تاريخها الفلسطيني، وألف دعوة لجعلها عاصمة أبدية للثقافة العربية والإسلامية، وألف يافطة ترفع اسمها على الشوارع والمؤلفات الأدبية والفنية، لن تجدي وحدها في استردادها.

على الجانب الصهيوني الإسرائيلي، يبلغ سعار التحريض على استلاب القدس أعلى درجاته، ولا يقصر الجانب الفلسطيني العربي الإسلامي في الحماسة لقضية تحريرها، لكن الجانب الأول، هو الآن، ومنذ خمسين عاماً، المهيمن على المدينة، القادر عملياً على العبث في هويتها بكل المعاني.. فما العمل؟!..