00
إكسبو 2020 دبي اليوم

معاناة التركيز في عصرنا

ت + ت - الحجم الطبيعي

أحد أكثر الأسئلة التي تردني في محاضراتي ودوراتي في المهارات الإدارية وفنون الحوار هو كيف نركز جيداً في أعمالنا وحواراتنا؟. وكلما تناهى هذا السؤال إلى سمعي تذكرت دراسة أجرتها جامعة لندن على قبيلة نائية في أفريقيا حافظ أهلها على البقاء في الريف، وقبيلة أخرى انتقل أفرادها للعيش في مناطق حضرية، أظهرت النتائج ما «فاق توقعات» الباحثين..

حيث تبين أن الجماعات الحضرية (القبيلة المتمدنة) أظهرت صعوبة في تركيز الانتباه في اختبارات متنوعة أعدت لهم مقارنة بأفراد القبيلة التي حافظت على بقائها في الريف. وكان أحد الأسباب يعود إلى أن «الناس في المجتمعات الحضرية يتمتعون بمحفزات تنبيه أكثر، حيث يتحلون بإفراط من حيث استخدام البصر والأصوات»، وهي أحد الأسباب التي تشتت تركيزهم بحسب تقرير نشرته «بي بي سي».

هذا الأمر يعكس واقعنا، إذ نجد أن الاتصالات والملهيات الإلكترونية صارت تأتينا من كل حدب وصوب، الأمر الذي بات يفسد متعة الإصغاء بتركيز إلى برنامج مهم وعميق في طرحه.

ولم نعد نستمتع بحوار شيق مع صديق عزيز أو قريب لطالما كنّا لا نمل سماعه والسبب تلك التكنولوجيا واختلاس النظر للهاتف وشاشة الحاسوب بأنواعه.

لم نعد نتمكن من التركيز بهدوء نصف ساعة. وبعد أن كانت الشاشة الفضية هي ما يشغلنا انخفضت نسبة مشاهدة التلفاز لدى أكثر من كان مولعاً بمشاهدته في العالم، وهم سكان الولايات المتحدة، لمصلحة الإنترنت والانشغال بالهاتف ومغرياته وفق دراسة قرأتها.

ولذا فنحن أحوج ما نكون إلى العودة لمهارات التركيز الشديد لأنه يضاعف الإنتاجية ويشعرنا بلذة الفهم والتعلم والتفاعل. وهذه الدعوة لكل العرب المتخصصين والمسؤولين بتنظيم دورات مكثفة في فنون التركيز والإنجاز السريع في عصر لم نعد بحاجة فيه للتخطيط فحسب بل بكيفية إنجاز مهامنا اليومية Tasks بإتقان كبير وهو أمر يصعب حدوثه من دون التدرب على مهارات التركيز.

وأحد أفضل النماذج التي قرأتها ما جاء في كتاب ديفيد آلن الرائع «Getting Things Done» ومنها فكرة التركيز الشديد لمدة ثلاثين أو 15 دقيقة في عمل ما من دون أي مقاطعة بعدها استراحة لمدة دقيقتين ثم تجديد التركيز حتى ننجز المهمة المطلوبة. واذا استجد أمر ما نكتبه بعجالة على قصاصة لننجزه بسرعة بعد نصف ساعة.

ميزة هذه الطريقة، وخصوصاً إذا دون الفرد ماذا أنجز خلال كل نصف ساعة، أنه يستطيع رؤية ثمار جودة تركيزه. فالتسمر أمام الحاسوب أو وراء المكتب لا يعني إنجازاً حقيقياً بالضرورة إلا حينما نفعل قدراتنا الخارقة على التركيز ونكف عن الانشغال بكل شاردة وواردة.

أما التركيز في الحوار فيتطلب أن يحسن المتحدث اختيار الموضوع المناسب للمستمعين وألا يثقل على أسماعهم ولا يستأثر بالكلام حتى لا ينفض الناس من حوله أو يفتر تركيزهم.

والمستمع كذلك، يتوقع منه أن يأخذ قسطاً مريحاً من النوم وطعاماً معتدلاً، إذا كان حريصاً على المحافظة على تركيز عميق طوال ساعات اليوم أو في اجتماع أو محاضرة مهمة بعيداً عن ملهيات التكنولوجيا التي صارت أكثر ما يشتت تركيزنا وانتباهنا.

 

طباعة Email