00
إكسبو 2020 دبي اليوم

ما كل هذا العنف؟

ت + ت - الحجم الطبيعي

بمناسبة تكرار أحداث العنف في دولة بعد أخرى، تذكرت من جديد ذلك القول الطريف الذي ينسب لسياسي صيني حكيم، عندما سئل عن رأيه في الثورة الفرنسية، بعد مرور أكثر من قرنين عليها، فقال«إنه لم يمر بعد الوقت الكافي لإصدار حكم عليها!».

يمكن أن يقال هذا أيضاً عن أحداث العنف الأخيرة، التي لن نعرف أسبابها الحقيقية ولن نفهم مغزاها إلا بعد مرور وقت أطول بكثير. وأحب أن أذكّر القارئ بحادثين مهمين وقعا منذ أكثر من خمسين عاماً، كان لهما أثر قوي في مسار دولتين عظميين، ومن ثم في العالم كله.

أقصد بذلك مقتل الرئيس الأميركي جون كينيدي في نوفمبر 1963، ثم عزل الرئيس السوفييتي نيكيتا خروتشوف بعد ذلك بشهور قليلة. كان كل من الرجلين يتسم بكل صفات الزعامة: الشخصية القوية، والذكاء، والفصاحة، والجاذبية الشخصية، ومن ثم لعب كل منهما دورا مهما في تشكيل سياسة بلده، فضلا عما حصلا عليه من شعبية. هل يصدق القارئ أننا لا نعرف حتى الآن من الذي دبر مقتل الأول وعزل الثاني؟

إذا انتقلنا إلى الأحداث الجارية، وتكرار أحداث العنف في بلاد مختلفة من العالم، نلاحظ أمرين يتكرران في سرد ما حدث ومحاولات تفسيره. الأول تكرار ذكر علاقة مرتكبي أعمال العنف بالإسلام والمسلمين، والثاني الحالة النفسية أو العقلية لمرتكبي هذه الأعمال. فهل هناك يا ترى أشياء أخرى يمكن أن نلاحظها في هذه الأحداث، قد تنفع في إلقاء بعض الضوء على المستفيدين الحقيقيين منها، ومن ثم في تحديد المدبرين الحقيقيين لها؟

هناك مثلاً بعض الصفات المشتركة في الدول التي ارتكبت فيها هذه الأعمال. لقد حدث أشهر أعمال العنف منذ خمسة عشر عاماً في الولايات المتحدة، وهو تدمير البرجين الشهيرين في نيويورك ومبنى وزارة الدفاع في واشنطن. ثم تكررت أعمال مماثلة ( وإن كانت أصغر وأقل في عدد الضحايا) في بريطانيا وفرنسا وألمانيا، وكلها دول تلعب دورا مهما في تحديد مجرى السياسة الدولية.

صحيح أن المسلمين كثيرون في كل من هذه الدول، ومن الممكن العثور على دوافع للغضب أو الانتقام من جانب المسلمين، في كل منها، مما قد يقوي حجة من يؤكدون علاقة أعمال العنف بالإسلام والمسلمين، ولكن يلاحظ أن في إسرائيل أيضا مسلمين كثيرين، وأن لدى هؤلاء أيضا دوافع للغضب والانتقام. فهل هناك يا ترى دوافع أخرى (غير الغضب والانتقام) لمحاولة التأثير في سياسة هذه الدول المهمة، وأن أصحاب هذه الدوافع قد يجدون من مصلحتهم الزج باسم الإسلام والمسلمين في أحداث العنف؟

سمة أخرى في هذه الأحداث هي الغياب الكامل لأية محاولة من جانب أي جهة لها صلة بالإسلام والمسلمين، للإفادة من هذه الأحداث على نحو تحقيق أي نفع للإسلام أو المسلمين. نعم، معظم مرتكبي هذه الأعمال (أو على الأقل بأسمائهم) لهم صلة بالإسلام، ولكن يلاحظ أنه لم يترك أي واحد منهم ورقة أو رسالة يذكر فيها مقصده بالضبط، وما الذي يغضبه بالضبط في أحوال المسلمين الحاليين، أو في طريقة معاملة الأميركيين أو الأوروبيين لهم، وما يطالب به من أجل التوقف في المستقبل عن ارتكاب أعمال العنف. ليس هناك أي شيء من هذا، بل صمت تام من شاب أبكم، يقوم بالعمل وكأنه منوم تنويماً مغناطيسياً لخدمة قضية مبهمة لا يفصح عنها، بل وقد يقوم بقتل نفسه أيضا، فلا ينتظر حتى يرى بنفسه النتائج العظيمة المترتبة على عمله.

سمة ثالثة تتكرر تقريبا بلا استثناء، في أعمال العنف التي تسمي بالإرهاب، وهي أن الشخص الذي ينسب إليه العمل، يختفي بمجرد ارتكاب العمل، إما بأن يقتله رجال الأمن، أو أن يقتل نفسه ونتيجة ذلك أننا لا نسمع شيئا عن تحقيق بعد ارتكاب الجريمة يكشف عن أي شيء مفيد عن دوافعها، أو عن شخصية منظميها ومنفذيها...إلخ.

كم كان من المفيد أن يبقى المجرم حيا، ولو حتى يوما واحدا أو يومين، بعد وقوع الحادث، وكم كان من الممكن أن نشعر بالراحة إذا قرأنا إجابات عما يوجه إليه من أسئلة، وكم كان من الممكن أن يؤدي هذا إلى تجنب أو تقليل وقوع حوادث مماثلة في المستقبل.

أحيانا يخطر لي التساؤل عما إذا كان شخص كرئيس الجمهورية الفرنسية فرانسوا هولاند أو المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل لا يعرف أكثر مني عن هذا الأمر، أي أكثر مما تردده وسائل الإعلام؟ وإذا كان يعرف أكثر، فما هو يا ترى هذا الذي يجري إخفاؤه عنا؟ هل يعرف أمثال هؤلاء، بحكم وظائفهم المهمة، الطرف الحقيقي الذي يدبر هذه الجرائم، ولكنهم يفضلون أو لا يملكون الإفصاح عنه، بسبب مسؤوليتهم عن مصالح بلادهم؟

يقوي كل هذا شعوري بأن وسائل الإعلام أصبحت، أكثر فأكثر، تقوم بدور أقرب إلى التضليل منه إلى التنوير. ومن ثم يقوى شعوري بأن الفهم الحقيقي للأحداث التي من هذا النوع، يحتاج أكثر فأكثر إلى التخمين، وتغليب اعتبارات المنطق، بدلا من الاكتفاء بتحصيل ما يلقى به إلينا ما يسمى ب «المعلومات».

طباعة Email