00
إكسبو 2020 دبي اليوم

المال السياسي والانتخابات.. قراءة واقعية

ت + ت - الحجم الطبيعي

في حمأة الانشغال بالأصول الاجتماعية وبالتواريخ والسمات الشخصية، ومحاولة التعرف على البرامج السياسية والأجندات الاقتصادية والانحيازات الفكرية الأيديولوجية تجاه قضايا الداخل والخارج لمرشحي الرئاسة الأميركية، يتوارى اهتمام الكثيرين بالطاقة المالية التي تتوفر لهؤلاء المرشحين؛ التي قد تكون عنصراً حاسماً في وصول بعضهم إلى مراداته.

الثقافة السياسية للمجتمعات الغربية الرأسمالية بعامة والشق الأميركي منها بخاصة، تتيح فرصاً رحبة لأصحاب المكانة المالية، كي ينافسوا بقوة على المكانة السياسية الرفيعة. وتقدم مواسم انتخاب سيد البيت الأبيض عرضاً مشوقاً لتوكيد صحة هذه المقولة. وعند تأمل الموسم المتفاعل راهناً، تظهر هيلاري كلينتون مرشحة الحزب الديمقراطي كصاحبة ملكات وخبرات سياسية أميل إلى الثراء والعقلانية والتنوع، مقارنة بخصمها الجمهوري دونالد ترامب. بيد أن كفة هذا الأخير تبدو وازنة أكثر بكثير لجهة استحواذه على القدرات التمويلية الذاتية للإنفاق عن سعة.

قبل أربعة أعوام أنفق الأميركيون أكثر من ملياري دولار على حملة الانتخابات الرئاسية؛ التي انتهت بالتجديد لأوباما. وقد سحب معظم هذا المبلغ من جيوب كبار الممولين؛ الذين لا يضنون بأموالهم لقاء صيانة مصالحهم متعددة العناوين.

بين سطوة المال وشهوة السلطة تأثير متبادل، تظهر أبرز تجلياته في عملية الاستطراق بينهما في حقل الحكم والسياسة. فالاستحواذ على أحدهما يغري بالبحث عن الآخر. ومن هذه الملاحظة خرجت المعادلة القديمة التي تقول بأن من يملك يحكم. والظاهر أن شهرة هذه المعادلة طغت على مشتقات أخرى يمكن استلهامها من الملاحظة ذاتها، مثل أن من يحكم لديه فرصة كبيرة في أن يملك..

في المجتمعات الأكثر تقدماً ورقياً وغنى بالمعنى الاقتصادي وتطوراً من حيث الممارسة الديمقراطية، غالبا ما تبدأ المعادلة من عند المال.. بينما يكون تبوؤ مراكز الحكم والسلطة فاتحة الاستطراد إلى جمع الثروة واستحلاب المال في المجتمعات النامية الموسومة بالتخلف.

فقهاء النظم السياسية يعرفون هذه التعميمات، ويجتهد الساهرون منهم على أحوال الديمقراطية والتحول الديمقراطي في محاولة الوصول إلى قواعد وقناعات أكثر صدقية ورسوخاً، علهم يتمكنون ذات حين من «قوننة» العلاقة بين المال وبين الحكم والسلطة والنفوذ.

لكنهم مقتنعون بأن الاعتبارات الاقتصادية، المالية بالذات، تكاد تفسد مقولاتهم عن الانتخابات الحرة والمساواة وتكافؤ الفرص وفصل السلطات، بل وأن هذه الاعتبارات قد تجرح نزاهة القضاء. غير انهم يدافعون عن فلسفتهم، بالقول ان النظم الديمقراطية تبقي الأقل عرضة للفساد من مدخل التأثير المالي، لامتلاكها آليات وقائية قوية، كالرقابة والمحاسبة وشفافية التعاملات والفصل بين الذمتين الخاصة والعامة للحكام.

كأن منظري الديمقراطية يقرون بأن أصحاب المال لا يكفون عن التلاعب بالعملية السياسية وتطويعها لأهوائهم، إما مباشرة عبر دخولهم المعترك السياسي، وإما بشكل غير مباشر من خلال السعي لشراء ذمم الساسة.

لكن هذا يجري مقروناً بأدوات حمائية تحد من شرور تحالف المال مع السياسة.. وهي أدوات لا تتوفر لدى النظم غير الديمقراطية، التي ينعم فيها هذا التحالف ببيئة تخلو من الروادع.

والشاهد عندنا أن كافة النظم السياسية ليست بمفازة من شبهة التعامد بين المال والسياسة وأن الدفع بوجود اجراءات تكفل تحجيم تأثير المال السياسي في الديمقراطيات، لا يكفي لإقناع أبناء شعوب هذه الديمقراطيات بمفهوم المساواة والتكافؤ بينهم على صعيدي الترشح والتصويت. اذ ما الذي أدرانا وأدراهم بعدد قضايا الفساد المالي السياسي المخبوءة، قياسا بعدد القضايا التي تكشفها أدوات الرقابة والمحاسبة ؟.

وكيف يتأتى لهذه الأدوات فضح ملفات هذا الفساد، اذا ما أمكن لتحالف الفاسدين إحكام السيطرة على ملفاتهم وكتمان دسائسهم، بل واحتمال أن يتمكن هذا التحالف من مد سطوته ونفوذه إلى أدوات الرقابة ذاتها، باعتبار أن الجميع يبحر في مركب (نظام) واحد ؟. ومن قال إن أنماط تصويت عامة المواطنين وخياراتهم في المواسم الانتخابية، تجري بمعزل عن تفضيلات الإعلام الدعائي، الخاضع بدوره لكبار الممولين والمعلنين واتباعهم ؟..

مثل هذه الأسئلة، تجرح طهرية حديث الديمقراطيات الغربية ومغالاتها في طوباوية العلاقة بين المال والسياسة. وتوحي بأنه كما أن للديكتاتوريات أساليبها في التغطية على الفساد المالي السياسي، فإن الديمقراطيات قادرة على أداء هذه التغطية وزيادة.

والحال كذلك، ثمة وصفة ناجعة للتعرف على بعض أهم توجهات كلينتون وترامب.. وصفة خلاصتها التعرف على القوى التي ساهمت أكثر في تمويل حملتيهما، وتبصر نوعية المصالح التي تمثلها هذه القوى التي لا تنفق أموالها عشوائياً.

طباعة Email