العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    مسرعات المستقبل ومستوعباته

    في سباقنا المحموم نحو المستقبل تتلبد سماوات فكرنا بالخوف من هذا التسارع، مما جعلني أعتقد إن الأربع وعشرين ساعة لم تعد كافية، هل نحن مستعدون لأن نركب صاروخ المستقبل؟ هل استطعنا أن نستوعب حاضرنا لنتهيأ به للمستقبل الذي نتطلع إليه.

    إننا نعيش في يومٍ لا نسميه حاضراً، فالتسارع هذا يجعل الحاضر يصبح ماضياً، وكأننا نعيش المستقبل اليوم. هل المستقبل مشرق أم مخيف؟ كيف ننظر إلى الثورة الجينية؟ والقطارات النفاثة؟ والأبراج فائقة الطول؟ وشفافية البيانات الحكومية؟ والتطبيقات التي تبحث في سعراتنا الحرارية؟

    لقد أطلق سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي رئيس المجلس التنفيذي رئيس مجلس أمناء مؤسسة دبي للمستقبل، مؤخرا مبادرة مسرعات المستقبل، والتي تهدف إلى جعل دبي عاصمة عالمية لاستشراف وصناعة المستقبل.

    ومنذ أُطلقت تلك المبادرة المميزة وأنا أحدّث نفسي فخراً وإعجاباً بها، إذا كانت دبي تسعى للمستقبل بهذه السرعة، فنحن بحاجة لمستوعبات للمستقبل، لأننا مطالبون حتى نواكب ما يدور حولنا، بسبب تسارع الحياة والتطور التقني الذي انعكس على كافة القطاعات، أن نتزود بالمعرفة المستقبلية فهي بمثابة العقار التطعيمي لكافة المتغيرات المستقبلية.

    يقول سيف العليلي، الرئيس التنفيذي لمؤسسة دبي للمستقبل: تشكل مبادرة مسرعات دبي المستقبل خروجاً عن النمط المألوف في عمل المؤسسات الحكومية، فهذه المبادرة تحول الجهات الحكومية من كونها جهات خدمية وتنظيمية إلى جهات داعمة للابتكار والبحث والتطوير وصناعة المستقبل ضمن قطاعاتها.

    إن حكومات المستقبل سيتغير دورها بتغيّر العوامل المحيطة بها سواء كانت سكانية أو اقتصادية أو اجتماعية بالإضافة إلى التكنولوجية. إن تلك العوامل سيكون لها تأثير كبير على أدوار حكومات المستقبل.

    لعل إدراك تلك العوامل وفهم تأثيرها سيكون الخطوة الأولى نحو الدخول في المستقبل، وأنا هنا أجول النظر في كافة حكومات المستقبل في العالم كافة، والعوامل التي تتوافر لدينا في حكومتنا وتفتقر إليها الحكومات الأخرى، والتي تجعلنا أكثر قدرة على الدخول للمستقبل، وأقرب إلى بواباته.

    وللعلم فإن التغيرات السكانية سيكون تأثيرها كبيراً، فالنسبة العمرية للسكان سيكون تأثيرها في السياسات والحوارات المحلية والعالمية، وهذا ما يتم الآن.

    وكذلك تحسين الأوضاع الاجتماعية الاقتصادية للمرأة سيترتب عليه دخولها لسوق العمل بنسب كبيرة.

    إن الثقة بالحكومات منخفضة عالمياً، وهذا بخلاف الأرقام في دولتنا الحبيبة، لأن مؤشرات الثقة بالحكومة مرتفعة، إلا أننا جزء من المجتمع الدولي والتحديات لم تصبح محلية بل أصبحت التحديات عالمية والجميع يتأثر بها، وخير مثال على ذلك الأزمة الاقتصادية العالمية في 2008.

    إن الحكومات في العالم بأسره ستواجه تحديات ستؤثر في تشكيل دورها في المستقبل، بل ينبغي أن تعيد النظر في تلك الأدوار كما سنرى، ولعل من أهم تلك التحديات: أن تكون حكومات مسهّلة وممكّنة بدلاً من كونها مقدّمة للحلول.

    فحكومات المستقبل هي التي تسعى إلى تطوير الحلول المجتمعية من خارج الحكومة وإشراك القطاع الخاص، وليس بتقديم الحلول وحل المشكلات. فعليها أن تقوم ببناء المنصات، وإلزام الشركاء بالنتائج المستهدفة وفتح الخيارات أمام الخدمات، بالإضافة إلى إدارة الحملات الجماعية، وهذا في حكومتنا موجود وميسّر فلدينا الكثير من ذلك، ونذكر على سبيل المثال لا الحصر، مبادرات نور دبي ومبادرات القراءة التي قامت بها الدولة.

    ومع كل ذلك وبجانبه يجب أن تحرص الحكومة على بناء علاقة قوية مع القطاع الخاص، كما يجب أن تسعى دوماً إلى تغيير منهجياتها حيال قطاع الأعمال وهذا عبر تشجيع نمو الأعمال مع عدم الإضرار بالأهداف البيئية والاجتماعية والمالية. كما يجب أن تكون قادرة على تقديم خدمات توصف بأنها «أعدت لي»، بحيث يشعر المتعامل بأنها تم تفصيلها خصيصاً له ولمصلحته بحيث تكون شخصية ومتاحة له في البيت وعبر الأجهزة الذكية، وهذا ما سعت إليه دوماً الحكومة في دولة الإمارات، فأصبح لزاماً على الخدمات الحكومية أن تتحول إلى خدمات ذكية.

    كما يجب أن تحرص الحكومة على أن يكون لديها بيانات ذكية بحيث تجعل القطاعات الحكومية تهتم بأن يكون دورها استباقياً بدلاً من أن يكون ردَّ فعل لحاجة مجتمعية على المستوى الفردي أو الجماعي.

    ويبقى واحد من أهم أدوار الحكومة المستقبلية هو سعيها نحو ابتكار وسائل جديدة لصيغ التمويل الحكومي، وبناءً على ذلك كله أن تتبنى سياسات متقدمة في الموارد البشرية كفيلة بتبنّي المواهب واحتضانهم وتطويرهم وإعداد جيل قادر على مواكبة المتغيرات المستقبلية.

    إن الموظف لن يلتصق بوظيفته طول حياته ولكنه سيتنقل بين المشروعات المختلفة.

    إن ذلك سيتطلب بناء شبكة مواهب قائمة على الشراكات والإعارات والتعامل مع مواهب مستقلين أو حتى مواهب لا تعمل مع الحكومة ولكنها جزء من تلك الشبكة. والشاهد من ذلك أنه سيكون للموارد البشرية دور كبير لإعداد العنصر البشري للمستقبل، ولكن سيتحتم عليهم ابتكار منظومة موارد بشرية جديدة لأن المتطلبات ستختلف والسياسات ستختلف بالضرورة. إن حكومتنا المستقبلية بدأت بالأمس واستعدت بالأمس، والتشكيل الوزاري الجديد وضع قدميه على أرض المستقبل منذ لحظة تشكيله.

    إن ثقتنا بحكومتنا مصدرها تبنّيها لأدوارها المستقبلية وأنها تلبي طموحاتنا المستقبلية، فهي حريصة على أن تلبي مطالب شعبها ومقيميها قبل أن يفكر أي شخص بمطلبه، لذا فهي تلعب دورها بذكاء وحنكة ودراية ولا تنتظر حدوث الحاجة المستقبلية فتلبيها.

    إن مبادرة مسرعات المستقبل تهدف إلى إشراك القطاع الخاص لتقديم الخدمات الحكومية بعد استقراء دقيق للمستقبل وابتكار الأفكار التي تمكّن الدولة من الاستمرار في طليعة الدول الأكثر تنافسية عالمياً في قطاعات المال والأعمال والسياحة والخدمات. لذا فإن الحكومة جعلتنا نستوعب المستقبل الجميل والسعيد وقامت بتهيئتنا لذلك، ثم بادرت باتخاذ الوسائل نحو إطلاق مسرعات المستقبل لأنها أعدتنا جيداً بمستوعباته.

    طباعة Email