العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    «متلازمة المتمارضين»

    هناك من «يتمارض» ليحصل على اهتمام لا يستحقه، أو يهرب من مشكلة في العمل. ومن هذه الحيل ما يعرف بمتلازمة «مونخهاوزن»، التي عرضت لنا التايمز اللندنية، قبل أيام، تقريراً كشف عن وجود نحو 500 حالة جديدة سنوياً يتم عبر هذه المتلازمة »فبركة« أمراضهم، عبر اختلاق مرض معين فيهم أو في أحد أبنائهم أو المبالغة في أعراضه. وتكمن المشكلة في أنه يندر التعرف على هذه الحالات «لخشية» الطاقم الطبي من المواجهة، أو لأن الناس تحسن شرح الأعراض المرضية.

    ولديّ مواقع كثيرة تشرح بالتفصيل أعراض كل مرض، لكنني لا أود نشرها لاعتبارات أخلاقية ومهنية معروفة. والمعضلة أن »متلازمة المتمارضين« وغيرها لها تداعيات مادية. التايمز، مثلاً، كشفت من خلال أحد مصادرها، عن أم لديها خمسة أبناء خضعوا لعلاجات وجراحات استمرت عشر سنوات، وكلفت الدولة نحو 370 ألف جنيه استرليني لم يكن له أي داع.

    وحينما يغيب الموظف المتمارض من دون مبرر حقيقي فإنه يكلف الدول العربية مبالغ طائلة، يصعب تحديدها لشح الإحصاءات، ففي الكويت، مثلاً، كشف مسؤول أن قيمة الإجازات المرضية في عام واحد بلغت نحو عشرين مليون دينار كويتي (أي 66 مليون دولار).

    ولو افترضنا أن ربعهم متمارضون فهذه تبقى كلفة كبيرة، غير أن السؤال الذي يطرح نفسه ما هي دوافع التمارض. إذا تعمد الموظف استنفاد كل إجازاته المرضية، من دون حاجة فعلية، فهذا مؤشر على أنه لا يحب عمله أو لم يعد يتقبل العاملين فيه أو ربما اضطر لتعنت مديره. ذلك أن، الشغوف بعمله لا يجد راحة إلا في كنف بيئة عمل تحتضنه، وهذا ما يجرنا لقضية أخرى، وهي تعنت المسؤولين بقبول الإجازات السنوية، فيلجأ الموظف لحيلة التمارض. بعض المسؤولين حينما تتقدم إليه بإجازة مرضية يشعرك بأنك تطلب منه سلفة مالية من جيبه!

    المشرعون لم يضعون الإجازات إلا ليجدد الموظف نشاطه، وليقبل على العمل بهمة ونشاط، وهذا ما أظهرته دراسات عدة، كما أن الإجازات صحية، لأنها اختبارات قصيرة لكيفية سير العمل في غياب الموظف. وكم شهدنا حالات لمسؤولين لا يأخذون إجازات، حتى وإن لم يكن يستطيع تحصيل مقابلها نقداً، ثم نكتشف أنه كان شخصاً بيروقراطياً أو أنه يخشى انكشاف أمر يتستر عليه في الإدارة.

    وهذا ما يدفع بعض الشركات إلى إجبار الموظفين على أخذ إجازة، لضمان سلاسة انتقال المهام الوظيفية ولتأهيل الصف الثاني. لا يمكن أن تدرك قيمتك في العمل إلا حينما تغيب، وحينما تغيب وترى الأمور تسير على ما يرام فاعلم أنك أحسنت التفويض، أما إذا غبنا في إجازة ولم نجد الراحة، بسبب عدم تواصل المرؤوسين معنا طوال الإجازة، فهذا دليل على أن المشكلة في طريقة تفكيرنا، وعقدة النقص التي تجعلنا نظن أن البساط قد سحب من تحتنا.

    إن غياب الفرد في مؤسسة مهنية لا يعني تعطيل العمل، وإذا تعمدنا تأجيل أعمال روتينية، ومصالح الناس لحين عودتنا من إجازة فلا فارق بيننا وبين من يرتكب خطيئة التمارض.

     

    طباعة Email