العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    روح الحرب الباردة تعود مجدداً

    جاء أهم تحول في العلاقات الجديدة بين روسيا وحلف شمال الأطلسي، «ناتو»، بالتحديد قبل أسبوع كامل من قمة الحلف في وارسو، التي عقدت يومي 8 و9 يوليو 2016، إذ قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للصحافة، خلال زيارته القصيرة لفنلندا، إنه قد قبل عرضاً قدمه نظيره الفنلندي سولي نينيستو، لمناقشة استخدام نظام الترددات بالنسبة إلى الطائرات الروسية فوق بحر البلطيق، وذلك كونه إجراء لبناء الثقة مع حلف «ناتو».

    لقد أصبحت الاتهامات الموجهة من أميركا بشأن عدم استخدام تلك الطائرات لنظام الترددات، ما قد يؤدي لمخاطر تصادم الطائرات، هجوماً روتينياً منذ بداية الأزمة الأوكرانية قبل عامين ونصف العام، إلا أنها قد تصاعدت خلال العام الجاري، كما زعمت أميركا أن المقاتلات الروسية لفقت هجمات كاذبة لاستنفار مدمرة الصواريخ الموجهة، «يو إس إس دونالد كوك»، في منطقة البلطيق. وبشكل روتيني أيضاً، أنكر الجانب الروسي القيام بأي اعتداء، مع توجيه الانتقادات لحلف «ناتو»، بسبب الأنشطة الاستفزازية بالقرب من الحدود الروسية، لتسهم الحوادث المتكررة في إيجاد شعور متنامٍ من عدم اليقين، مع الافتقار إلى العلاقات العسكرية التي تحوزها أميركا مع القوات العسكرية الأجنبية.

    أعقبت خطوة فلاديمير بوتين في فنلندا، أوامر مباشرة لوزير الدفاع، مع نقاش في مجلس الأمن الروسي، وهو ما أرخى لتحول مهم، إلا أن الأمر لم يكن بادرة من أجل المصالحة، بل كان عكس ذلك تماماً، إذ شكل قبولاً للمواجهة المستمرة، ورغبة بوضعها في إطار عمل بالنسبة إلى المخاطر التي يمكن إدارتها.

    من الواضح أن روح الحرب الباردة قد عادت مجدداً، وعلى نطاق واسع، حيث تعمل نتائج قمة وارسو، بنشر أربع كتائب في الدول المجاورة للحدود الروسية، على تأكيدها مجدداً. وعقب مشوار طويل لإيجاد بعثة جديدة، حيث يختبر حلف «ناتو» أدواراً مختلفة بدءاً بضباط شرطة عالميين وبعثات فائقة، وصولاً إلى مزودي قوات الأمن الناعم ومروجي الديمقراطية، عادت المنظمة مجدداً لوظيفتها التقليدية، ممثلة باحتواء روسيا، ويالها من راحة عقب سنوات من الضياع.

    تعتبر كل تلك الأمور مثيرة لاستعادة ذكريات أيام الحرب الباردة، فضلاً عن أن ليس هناك أي شيء يبرهن على مثل ذلك الصراع، فلطالما وصفت المواجهة التي حدثت منذ أربعينيات القرن العشرين إلى ثمانينيات القرن العشرين بالأيديولوجية على نحو كبير. وبطبيعة الحال، لا يمكن للمنافسة بمستواها العالي المساعدة، ولكن يمكنها أن تشمل الدوافع السياسية الكامنة، ولكن إذا لم تظهر كل من أميركا والاتحاد السوفييتي نموذجين سياسيين اجتماعيين متبادلين فإن الأمر لن يكون بهذه الدقة.

    لحسن الحظ، لا تتحول الحرب الباردة لحرب حقيقية، على الإطلاق، إلا أن نهايتها لا تأتي بالسلام الحقيقي أيضاً. لم يكن هناك اتفاق مقبول بشكل متبادل بالنسبة إلى الشكل الجديد للحرب، وقواعد الصراع، ولا فهم صريحاً وملحوظاً للأطراف الفائزة والخاسرة.

    لقد كان الصراع الأوكراني سبباً لتحفيز نمط شبيه بالحرب الباردة. وللأسف ليس هناك من سبب يدفع للاعتقاد أنه قد تم إنهاك احتمال وقوع المشكلات المنبثقة من «أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين»، على الهيئة ذاتها التي وصف فيها بوتين انهيار الاتحاد السوفييتي، من خلال الأزمة الأوكرانية. ومن المقدر وقوع تحولات مؤلمة أخرى في تلك المنطقة.

    على الأرجح، لا يعد نائب مساعد وزير الدفاع الأميركي مايكل كاربنتر مخطئاً عند قوله، إنه بمقدور الجيش الروسي الاستيلاء على جمهوريات البلطيق خلال 60 ساعة، ليتعهد بزيادة القدرات القتالية، بيد أنه بالكاد يمكن اعتبار الإجراءات التي تم الإعلان عنها في وارسو استجابة جادة.

    من الواضح أن حلف شمال الأطلسي يجرب مزيجاً من الكلام، والإيماءات، والخطوات العملية في محاولة لإيقاف محاولات استيلاء روسيا، في حين لا يبدي أي رد فعل قوي، وذلك مسار قاتل. وفي ظل غياب أسباب منهجية للمواجهة، فإن الوضع قد يصبح رهناً للآراء الشخصية لصناع القرار في كل من موسكو وواشنطن وبروكسل.

    في أعقاب التصريحات الصاخبة في قمة وارسو، جاءت نتائج لقاءات كل من مجلس روسيا وحلف شمال الأطلسي، أخيراً، هادئة على نحو مدهش، فعلى نحو يمكن التنبؤ به، لم يتفق الجانبان بشأن أوكرانيا، ولكنهما قررا العمل على نظام جديد لتقليل المخاطر. يتمثل الأمر المشجع في مشاركة الممثلين العسكريين في الجلسة، للمرة الأولى. وهو ما يقدم أملاً قليلاً في إمكانية إيجاد إجراءات سياسية مهمة، لضمان عدم تحول المواجهة الشفهية لأخرى مسلحة.

    طباعة Email